منبر العراق الحر :
الأدب لا يولد من اللغة في ذاتها، بل من الإنسان الذي يخوض التجربة ويبحث عن معناها. فاللغة ليست أصل الأدب، بل وسيطه؛ الوعاء الذي تتحوّل فيه الخبرة الإنسانية إلى صيغة قابلة للفهم والتداول. وحين تُفصل اللغة عن الإنسان، تغدو الكتابة تمرينًا شكليًا بلا أثر.
النصوص الأدبية، على اختلاف أجناسها، ليست سوى صياغات لغوية للتجربة الإنسانية، تُقدَّم للمتلقي كي يتقبّلها بوصفها تجربة معاشة لا خطابًا مفروضًا. فالأدب لا ينجح حين يُقرأ فقط، بل حين يجد طريقه إلى وعي القارئ وحياته.
المتلقي لا يبحث في النص عن اللغة لذاتها، بل عن صورته داخلها؛ عن قلقه وأسئلته وقد صارت مرئية ومفهومة. هنا تؤدّي اللغة دورها الحقيقي: أن ترسم تلك الصورة، لا أن تزخرفها. وكلما اقتربت اللغة من جوهر التجربة، ازداد التماهي بين القارئ والنص.
وتعدّد الأجناس الأدبية ليس اختلافًا في جوهر الأدب، بل تنوّعًا في أشكال اللغة وبُناها، استجابةً لاختلاف التجارب والمواقف. فلكل تجربة صيغتها الأصدق، ولكل حالة وجودية لغتها الملائمة.
يبلغ النص ذروته حين يجمع بين بُعدين متلازمين: وجداني يلامس الإحساس، وعقلي يحرّض التأمّل. عندها يرى المتلقي صورته تتحرّك داخل النص، فينغمس في دهشة جمالية نابعة من التقاء الفهم بالشعور.
ثم يأتي النقد الأدبي فعلًا لاحقًا للاكتمال، لا سابقًا عليه؛ إنصاتًا إلى موسيقى النص الداخلية، وكشفًا لإيقاعه الخفي. فالنقد لا يفرض لحنه، بل يرسم نوتته، ليوسّع أفق التلقّي دون مصادرة المعنى.
ومن هذا الأفق، تغدو اللغة موسيقى وإيقاعًا قبل أن تكون معنى؛ قد تُعلن إيقاعها في الشعر، أو تُخفيه في عمق النثر والسرد، لكنها في الحالتين نبض التجربة. وهكذا تبقى الأحداث، مهما اختلفت أشكالها، كأنّها قصيدة شعر مُغنّاة، تُعاش قبل أن تُقرأ.
ولذا، فإنّ غياب الإنسان يجعل الرفوف مقبرةً موحشة للمنجز الأدبي، لا تُزار مهما بلغت جمالية ذلك المنجز
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر