المثقف العراقي والمنحة، كرامة مؤجلة! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
تتحدد قيمة المثقف، كما صاغها المفكر أنطونيو غرامشي وعمّقها الفيلسوف جان بول سارتر، بمدى استقلاله عن السلطة، لا بقربه منها. فالمثقف ليس موظفا لدى الحاكم، ولا تابعا لميزانية الدولة، بل ضمير نقدي يقف في المسافة الفاصلة بين المجتمع والسلطة، يراقب ويحتج ويكشف.
غير أن النظام الاقتصادي الريعي في العراق نجح، عبر سياسات متراكمة، في تفكيك هذه الشخصية وتحويلها من فاعل نقدي إلى كائن ينتظر العطاء. فمن التوظيف، إلى ثقافة “المكرمة”، وصولًا إلى ما يُسمّى “المنحة”، جرى إخضاع المثقف تدريجيًا لشروط المعيشة التي تفرضها السلطة، حتى باتت كرامته مؤجلة بموعد الصرف.
المنحة السنوية للمثقفين ليست دعما للثقافة، بل أداة تدجين، فتصنيف الأدباء والفنانين والصحفيين إلى درجات أولى وثانية، ومنحهم مبالغ هزيلة لا تساوي قوت يوم، ليس إلا إهانة مغلّفة بلغة الرعاية، ألفا دينار يوميًا لمثقف “الدرجة الأولى” أقل من حدّ الكفاف، لكنه كافٍ لإدامة الصمت، وانتظار الدور، وترويض السؤال النقدي.
وإذا كان ميكافيلي قد نصح الأمير بإغداق العطايا على العلماء والفنانين لما لهم من تأثير اجتماعي، فإن السلطة الريعية في الشرق الإسلاموي ذهبت أبعد من ذلك، إذ لم تشترِ ولاء المثقف، بل فرّغته من محتواه مقابل فتات، محولة إياه من قوة معنوية إلى رقم إداري في سجلات المالية.
السؤال هنا؛ هل خان المثقف دوره التاريخي؟ بل، هل أُتيح له أصلًا أن يؤدي هذا الدور في ظل منظومة صممت لإفقاره ماديًا وتهميشه معنويًا؟
ولماذا يُجلد المثقف أخلاقيًا، فيما يتقاضى السياسي منحًا ورواتب خيالية بعناوين وهمية، “سجين سياسي”، “لجوء”، “فصل”، أو “خدمة جهادية”، دون مساءلة أو خجل؟
المسؤولية الحقيقية لا تقع على المثقف وحده، بل على سلطة أتقنت سياسة الرشى العامة، ونجحت في تحويل قطاعات واسعة من المجتمع إلى توابع اقتصادية خاضعة، مقابل أموال تُهدر خارج أي منطق للعدالة أو التنمية أو الحق.
إن استعادة دور المثقف العضوي لا تبدأ من إلغاء ثقافة المكرمة والمنحة، بل بإنهاء النظام الريعي، وبناء دولة تحترم الثقافة كقيمة، لا كملف إعانات. فالمثقف الذي يُطعَم ليصمت، لن يكون شاهدًا على الحقيقة، بل شاهد زور في زمن الانهيار والفساد.

اترك رد