منبر العراق الحر :
ارتجاف خفيف
قبل أن يسقط الجسد،
يسقط الصوت.
هذا ما لم يعرفه أحد تلك الليلة.
كانت القاعة ممتلئة، والضوء الأبيض يسقط فوقها ببرودٍ جراحيّ.
جلست أمام البيانو كما تجلس أمام شيء يعرفها أكثر مما يعرفه الجمهور.
وضعت أصابعها على المفاتيح.
هدوءٌ دقيق يسبق العاصفة دائمًا.
ليس في القاعة.
في الداخل.
بدأت العزف.
نغمة واضحة.
ثم أخرى.
ثم فراغ صغير بينهما،
أصغر من أن يُسمع،
أكبر من أن يُحتمل.
ذلك الفراغ هو الذي اتّسع.
لم يكن الارتجاف فجائيًا.
كان فكرةً أولًا.
اختلالًا طفيفًا في التوازن،
كأن الأرض مالت درجة واحدة فقط.
توقفت يدها اليمنى.
أكملت اليسرى لحظةً،
ثم انحرف اللحن.
كان يمكنها أن تعيده إلى مساره.
سنوات التدريب تعرف كيف تفعل ذلك.
لكن شيئًا فيها لم يتحرّك.
رفعت عينيها.
رأت الوجوه بوضوح.
عيونًا متسعة،
أفواهًا مشدودة،
هواتف تستعدّ.
لم يكونوا قساة.
لم يكونوا عطشى للسقوط.
لكنهم كانوا ينتظرون شيئًا يتجاوز الموسيقى.
كانت تعرف هذا الانتظار.
عاشت معه طويلًا.
الإنصات الذي يحمل في داخله احتمال الكسر.
وفهمت فجأة أن ما ينتظرونه ليس سقوطها…
بل الإذن بأن ينظروا إليه دون شعور بالذنب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لا تحدّيًا.
لا استسلامًا.
ثم تركت يدها تهبط.
اصطدمت جبهتها بحافة المفاتيح.
خرج صوت حادّ،
كصرخة لم يُخطَّط لها.
تبعته أصوات متكسّرة،
غير متناسقة،
كأن البيانو نفسه فقد يقينه.
بدأ الارتجاف.
لم يكن عنيفًا.
لكنّه كان كافيًا ليجعل الزمن يتباطأ.
ثوانٍ طويلة بقيت مكشوفة تحت الضوء.
لا ستار.
لا ظلام ينقذ أحدًا.
في الصفوف الخلفية، ارتفع هاتف.
في الأمام، انحبس نفس.
أحدهم نهض، ثم جلس.
الصوت الذي خرج من المفاتيح تحت ثقل يدها
ظلّ يهتزّ في الهواء،
أطول مما يجب.
ثم انتهى.
حين حُمِلت إلى الكواليس،
لم تكن غائبة تمامًا.
كانت تسمع ارتباك الخطوات،
وصوتًا واحدًا يتكرّر في أذنها:
النغمة الأخيرة.
استعادت وعيها على تصفيق.
متردّدًا أولًا.
ثم أعلى.
تصفـيق.
سألت بصوتٍ جاف:
“لماذا يصفّقون؟”
لم يجب أحد.
لم يكن التصفيق للمقطوعة.
ولا لشجاعتها.
كان ارتياحًا جماعيًا
لأن ما كان ممكنًا
قد حدث أخيرًا.
في اليوم التالي،
انتشر المقطع.
“لحظة إنسانية مؤثرة.”
الكلمة كانت نظيفة، سهلة، قابلة للمشاركة.
شاهدت الفيديو مرة واحدة.
رأت نفسها من الخارج.
جسدًا صغيرًا تحت ضوء كبير.
ارتجافًا بلا إحساسه.
صوتًا يختلّ.
ما لم تلتقطه الكاميرا
كان اللحظة التي سبقت السقوط.
اللحظة التي قررت فيها
ألا تُصلح الخلل.
في المساء، جلست وحدها أمام البيانو في بيتها.
لا ضوء مسرحي.
لا عيون.
وضعت يديها على المفاتيح.
انتظرت.
لم تأتِ النوبة.
بدأت العزف.
عند الموضع نفسه الذي انحرف فيه اللحن على المسرح،
شعرت بالفراغ يعود.
توقفت.
يدها معلّقة في الهواء.
كان يمكنها أن تكمل.
كان يمكنها أن تثبت أن الجسد لا يملك الكلمة الأخيرة.
لكنها لم تفعل.
نظرت إلى أصابعها.
كان هناك ارتجاف خفيف،
يكاد لا يُرى.
ليس مرضًا.
ولا خوفًا.
أدركت فجأة أن الارتجاف
لم يكن خللًا في الأداء،
بل الحدّ الأخير بين الصدق والتمثيل.
أن تعزف بلا ارتجاف
يعني أن تكذب قليلًا.
أغلقت الغطاء ببطء.
الصوت الخافت لالتحام الخشب بالخشب
كان أكثر قسوة
من أي تصفيق.
في الخارج،
كانت المدينة تمضي كما تمضي دائمًا.
وفي الداخل،
جلست في العتمة،
تمدّ يدها أمامها،
تراقب الارتجاف الصغير
وهو يعبر أصابعها
كأنه نبض مستقل.
لم تحاول إيقافه.
هذه المرّة،
لم تطلب من الجسد أن يكون أفضل.
طلبت منه فقط
أن يكون صادقًا.
=======================================
نصف ثانية
بقلم: رانية مرجية
لم يكن هناك إنذار.
آدم كان يجلس على الأرض، يصفّ سياراته في خطٍ مستقيم، ثم يدفع الأولى فتسقط الثانية.
ضحك.
ثم سعل.
رفعت رأسها.
سعال صغير.
عابر.
لم تتحرك.
سعل مرة ثانية.
اقتربت، وضعت يدها على صدره.
نبض سريع من اللعب.
تنفّس طبيعي.
ابتعدت خطوة.
آدم لم يعد يلعب.
كان ينظر إليها.
“ماما.”
“نعم؟”
“إذا سعلت… بتموت؟”
ابتسمت.
“لا.”
سعل مرة ثالثة.
شيء ما في داخلها اندفع للأمام.
لكن جسدها بقي جالسًا.
لم تكن تريد أن تركض.
لم تكن تريد أن تعيش عمرًا كاملًا في سباقٍ مع صوت.
سعل مرة رابعة.
ثم ساد صمت.
لم يسقط.
لم يصرخ.
بقي جالسًا.
ينظر.
مرّت ثانية.
اقتربت.
“آدم؟”
لم يجب.
حين لمسته، كان جسده دافئًا.
وعيناه مفتوحتين.
في المستشفى، تحركت الأيدي بسرعة.
قيلت كلمات قصيرة.
لم تحتفظ منها بشيء.
عادت إلى البيت وحدها.
السيارات كما هي.
واحدة مقلوبة.
جلست في مكانها.
وضعت يديها على ركبتيها.
وأعادت اللحظة.
سعال.
انتظار.
صمت.
لا تعرف متى انتهى.
في الليل، سمعت السعال.
قصيرًا.
واضحًا.
لم تتحرك.
السعال تكرر.
من جهة الباب.
نهضت.
مشت ببطء.
الغرفة فارغة.
السعال… من خلفها.
استدارت.
لا أحد.
عاد الصمت.
وقفت وسط الغرفة.
انتظرت.
السعال لم يأتِ.
مرّت ثوانٍ طويلة.
جلست.
وضعت يدها على صدرها.
سعلت.
توقفت.
انتظرت.
ثم سعلت مرة أخرى.
في الإيقاع نفسه.
في الطول نفسه.
جلست كما كانت تلك الليلة.
تراقب.
لا تركض.
تنتظر أن يحدث شيء.
لا شيء يحدث.
في الصباح، كانت السيارات لا تزال مصطفّة.
واحدة مقلوبة.
لم تعد تعدّلها.
كل ليلة،
يبدأ السعال.
قصيرًا.
ثم صمت.
ثم انتظار.
وأحيانًا،
حين يطول الصمت أكثر مما ينبغي،
تتساءل إن كانت تلك الليلة قد انتهت فعلًا.
أم أنها لا تزال هناك —
جالسة،
تراقب طفلًا يسعل،
وتقرّر
ألا تركض.
رانية مرجية
منبر العراق الحر منبر العراق الحر