منبر العراق الحر :ليست كلُّ حقيقةٍ تُولدُ في لحظةِ اكتشافها، ولا كلُّ وعيٍ يتشكّلُ ساعةَ الصدمة. فثَمَّ حقائقُ تسكنُ في بنيةِ الوجودِ ذاتِه، ثابتةً منذ البدء، لكنّ الإنسان لا يلتفتُ إليها إلّا بعد أن يدفعَ ثمنَ تجاهلِها. لذلك تبدو وكأنّها لم تُدرَكْ إلّا متأخِّرًا، بينما هي في جوهرها كانت حاضرةً على الدوام، تنتظرُ عينًا قادرةً على الرؤية، وعقلًا مستعدًّا للفهم.
من أخطر هذه الحقائق أنّ القوّة، حين تبلغُ ذروتَها، تبدأُ – في الوقتِ نفسه – بالدخولِ في طورِ أفولِها. فالتضخّمُ ليس علامةَ صحّةٍ دائمة، بل كثيرًا ما يكونُ مؤشرًا على اختلالٍ داخليٍّ يتراكمُ في الصمت. القوّةُ التي تُفرِطُ في استعراضِ ذاتِها، وتغترُّ بسطوتِها، تنشغلُ عن مراقبةِ هشاشتها الباطنيّة، فتتآكلُ من الداخل وهي تظنّ أنّها في أوجِ الصلابة.
السقوطُ لا يصنعهُ الخصومُ وحدهم، بل تصنعهُ قبل ذلك روحُ القوّةِ نفسها. فحين يتحوّل البطشُ إلى غاية، وتغيبُ القيمُ الضابطة، ويُختزلُ العالمُ في منطقِ السيطرة، يبدأُ التصدّعُ العميق. عندها تصبحُ القوّةُ عمياءَ عن رؤيةِ تحوّلاتِ الواقع، وصمّاءَ عن سماعِ أنينِ المظلومين، وعاجزةً عن إدراكِ أنّ تراكمَ الظلمِ ليس مجرّدَ حدثٍ أخلاقيّ، بل قانونٌ كونيٌّ يولِّدُ نهاياته بنفسه.
التاريخُ لا يتحرّكُ بالقفزاتِ المفاجئة، بل بالمساراتِ الطويلة. وكلُّ انهيارٍ كبيرٍ تسبقهُ سلسلةٌ من الانحرافاتِ الصغيرة التي جرى التغاضي عنها، أو تبريرها، أو تغليفها بخطابِ القوّةِ والضرورة. وحين يصلُ الانفجارُ إلى السطح، يندهشُ الناس، مع أنّ العلاماتِ كانت واضحةً لمن أراد أن يقرأ.
ولهذا فإنّ ما يشهدهُ العالمُ اليوم من تصدّعٍ في صورةِ القوى الكبرى ليس حدثًا طارئًا، بل تعبيرٌ عن مسارٍ تراكميٍّ من الاختلالاتِ البنيويّة، والازدواجياتِ الأخلاقيّة، والتناقضِ بين الخطابِ والممارسة. غير أنّ كثيرين لا يرون في ذلك إلّا أزمةً عابرة، لأنّهم ما زالوا أسرى الصورةِ القديمةِ للقوّة، لا منطقِ سننِ التكوين.
الحقيقةُ التي لا تُدرَكُ إلّا متأخِّرًا هي أنّ القوّةَ التي لا تُقيَّدُ بالعدلِ تتحوّلُ إلى عبءٍ على ذاتِها، وأنّ الظلمَ مهما طال أمدُهُ لا يصنعُ استقرارًا، بل يؤجّلُ لحظةَ الانفجار. وأنّ من يظنُّ نفسَهُ خارجَ قانونِ السقوط، يكونُ في الغالبِ أقربَ الجميعِ إلى حافّتِه.
وحين يدركُ الإنسانُ هذه الحقيقةَ بعد فواتِ الأوان، لا تكونُ المشكلةُ في أنّها كانت غامضة، بل في أنّ الغرورَ حجبَ عنهُ رؤيتَها. فسننُ الكونِ لا تتغيّر، لكنّ وعيَ البشرِ بها يتأخّر. وهنا تكمنُ المأساةُ الكبرى: أن نعيشَ داخلَ الحقيقة، ولا نعرفَها إلّا عندما نصطدمُ بها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر