منبر العراق الحر :
لم يكن سقوط النظام في نيسان 2003 مجرد تبدل في المشهد السياسي، بل كان زلزالاً ضرب أركان الدولة العراقية، مخلفاً وراءه انهياراً شاملاً للمنظومة المؤسساتية، ففي تلك اللحظة الفارقة، تلاشت ملامح الاستقرار، غاب الأمن، وتفككت الهياكل الإدارية، وغرق الاقتصاد في لجة ارتباك عميق، واضعاً البلاد أمام اختبار الوجود وسط أنقاض نظام بائد.
داخل هذا الفراغ الدستوري والإداري الموحش، برزت معضلة تشكيل نظام سياسي جديد، كعملية قيصرية معقدة، لقد وجدت القوى السياسية العائدة من المنافي أو الخارجة من دهاليز العمل السري، نفسها أمام التحدي الأكبر.. الانتقال الجذري من عقلية المعارضة إلى فن إدارة الدولة، وهو تحول لم يكن ليتحقق بالشعارات العاطفية، بل بمدى القدرة على ايجاد عقد اجتماعي جديد يعيد لملمة شتات الوطن المبعثر.
أولى الأزمات تمثلت في سؤال الشرعية.. من يمثل العراق الجديد؟ وكيف يمكن ضمان مشاركة جميع مكوناته من دون إعادة إنتاج الاستبداد؟ تجربة مجلس الحكم الانتقالي، ثم الحكومات المؤقتة، كشفت هشاشة التوازنات، وأظهرت أن بناء الديمقراطية لا يقوم فقط على الانتخابات، بل على قواعد دستورية واضحة، تحمي الحقوق وتحدد الواجبات وتمنع تغوّل السلطة.
صياغة الدستور عام 2005 كانت لحظة مفصلية، الدستور لم يكن وثيقة قانونية فحسب، بل إعلانا عن هوية الدولة الجديدة، الدولة تحتاج إلى دستور يحفظ حقوق الأغلبية، بوصفها التعبير العددي عن الإرادة الشعبية، لكن هذه الحقوق لا تكون ذات قيمة ما لم تُصن ضمن إطار يضمن حقوق الأقليات ويمنع الاستئثار، حماية حقوق الأغلبية تعني تثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة، واحترام نتائج الانتخابات، ومنح الشرعية لصندوق الاقتراع، هذه المعادلة كانت ضرورية لحفظ المسار الديمقراطي مستقبلاً، لأن أي شعور بالإقصاء كان سيعيد إنتاج العنف ويهدد التجربة برمتها.
البيئة الإقليمية والدولية زادت المشهد تعقيدا، العراق لم يكن جزيرة معزولة، بل ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى ودول جوار، بناء علاقات إقليمية ودولية متوازنة شكّل غطاءً استراتيجيا للنظام الجديد، وعمقا سياسيا يحميه من الانهيار، الانفتاح على دول الجوار، وإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، وإعادة تموضع العراق في النظام العربي، كلها عناصر أساسية لضمان استقرار الدولة الفتية، النظام العراقي احتاج إلى شبكة أمان خارجية تسانده في مواجهة الإرهاب والتدخلات والصراعات الداخلية.
كل ذلك كان يتطلب قيادة أبوية تتعامل بحياد مع الجميع، قيادة قادرة على تهدئة المخاوف، وبناء الثقة بين المكونات، وتغليب منطق الدولة على منطق الحزب، العراق بعد 2003 لم يكن بحاجة إلى زعيم صدامي، بل إلى شخصية تجمع ولا تفرق، توازن بين الحقوق والواجبات، وتحمي المسار الديمقراطي من الانحراف.
استشهاد سماحة السيد محمد باقر الحكيم شكّل صدمة وطنية كبرى، وأدخل الساحة الشيعية خصوصا في حالة حزن وارتباك، غير أن السيد عبد العزيز الحكيم تصدّى للمشهد في لحظة دقيقة، وتحمل مسؤولية ثقيلة في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، قاد المجلس الأعلى الإسلامي العراقي داخل تحالفات معقدة، وأسهم في تثبيت خيار الدستور والانتخابات، ودعم عزيز العراق فكرة التوافق الوطني، بوصفها ضرورة مرحلية لحماية الدولة من الانقسام.
دوره كان مؤثرا في هندسة التفاهمات، عمل على ترسيخ مبدأ الشراكة، ودعم قيام مؤسسات دستورية فاعلة، وأسهم في عبور الديمقراطية العراقية سنواتها الأولى، بما فيها من اضطرابات أمنية وطائفية، قدرته على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية منحت النظام مساحة لالتقاط الأنفاس، وأرست أسس قيام دولة تستند إلى القانون لا إلى القوة المجردة.
رحل عزيز العراق الحكيم عام 2009 بعد مسيرة مثقلة بالتحديات، ترك خلفه تجربة سياسية ساهمت في تثبيت أركان الدولة في أصعب مراحلها، ذكراه تبقى حاضرة في كل نقاش عن البدايات الأولى للديمقراطية العراقية، وفي كل استذكار لمرحلة كان الوطن فيها على حافة الانهيار، حتى اختار طريق الدستور وصندوق الاقتراع، سلامٌ على روحه يوم وُلد، ويوم جاهد في سبيل فكرة الدولة، ويوم رحل تاركا إرثا من العمل السياسي، الذي جعل من العراق وطنا يتسع للجميع.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر