منبر العراق الحر :…. ناقد من تونس….
لعلَّ من أبرز ملامح الكتابة الشعرية العربية المعاصرة، انخراطها في لعبة الانفتاح على النصوص والأجناس الأخرى، فلم تعد النصوص الجديدة تفلت من النصوص السابقة ولا من وهجها، فهذه النصوص صارت تجد طريقها إلى النصوص الجديدة بشكل معلن أو خفي. إنَّ الشاعر العربي اليوم يجد في النصوص السابقة -بالأخص ذات المكانة الكبيرة- ملاذا له لإثراء عالمه الشعري، وتوسيع دلالات خطابه حتى صار الشعر الجديد يعج بظاهرة النص الغائب، ذلك النص الخفي الكامن خلف النص المكتوب وهو «مجموع النصوص المتسترة التي يحتويها النص الشعري في بنيته، وتعمل بشكل باطني عضوي على تحقق هذا النص وتشكل دلالته» (إبراهيم رماني: النص الغائب في الشعر العربي الحديث، الرباط ـ مجلة الوحدة، العدد49، 1409).
وبذلك نخرج من مقولة النص الواحد إلى مقولات النصوص المركبة وإلى الأشكال المختلفة من تفاعل النصوص الجديدة مع النصوص السابقة التي كان جيرار جينيت قد طرحها» « فالنص في خصوصيته الجديدة يتشكل من مجموع نصوص كثيرة تلتحم في تركيب فني ذاتي يجعل منه وحدة متكاملة تتوزع هذه النصوص في مصادرها المتنوعة على ذاكرة واسعة، يتداخل فيها العربي بالغربي القديم بالحديث العلمي بالأسطوري الشعبي بالأكاديمي» (المرجع السابق).
على هذا المنوال جاء العمل الشعري الجديد للشاعر الفلسطيني نمر سعدي، مزدحما بالنصوص الغائبة في كلِّ مقاطعه، معلنة وغير معلنة، منوعا بذلك مرجعيات نصوصه الشعرية ومعمقا الأبعاد الدلالية، مشكلا بذلك فسيفساء من النصوص الغائبة.
تبدأ سلسلة النصوص الغائبة بتصدير شعري للشاعر العباسي أبي تمام يحمل معنى بكاء الزمن وتقلبه بين الوصل والهجر، وبين الفرح والأسى: (أعوام وصل كان ينسي طولها / ذكرُ النوى فكأنها أيامُ / ثم انبرت أيام هجر أردفتْ / بجوىً أسىً فكأنها أعوامُ). ثم تتوالى النصوص الغائبة في المتن الشعري فلا يكاد مقطع منه يخلو من استدعاء نص غائب، ولعلَّ أبرز مظاهر هذا الاستدعاء ذكر شخصيات من مشارب مختلفة، لها أهمية رمزية مثل أبي ذرِّ الغفاري في المقطع الأول والحلاج في المقطع الثاني ومالك بن الريب في المقطع الثالث.
« يا مالك بن الربيب كيف يضيئني معناك عن بعدٍ / بسرِّ الماء في وجعي المكابرِ؟»
تعود مرجعية بعض هذه النصوص الغائبة إلى الأساطير القديمة، فتظهر حينا شخصيات الأسطورة على غرار أنكيدو وسيزيف:
« صادقتُ أنكيدو وعشبَ الليلِ
عشتُ مع الصعاليكِ الذين تناثروا
في الحبِّ والأحلامِ والصحراءِ»
وفي مقطع آخر:
سيزيفُ لنْ يموتَ والفراشةُ الصفراءُ في قلبي.. وقلبي شرنقةْ»
وحينا تظهر عناوين الأساطير والنصوص القديمة: عندما أحدِّق في عينيكِ ستقرئين الإلياذة والأوديسة وملحمة جلجامش وسفرَ التكوينِ /
في عينيَّ بحارٌ من المعلَّقات والقصائد المبلَّلة بأمطارِ نيسانَ…
ونعثر في مقطع آخر على أصداء النص القرآني وسورة يوسف:
»وتسألني زليخةُ عن قميصٍ
من الورد النديِّ وكيف قدّا؟»
ومن المرجعيات الأخرى لهذه النصوص الغائبة في التراث الشعري العربي قديما وحديثا، فالشاعر يستدعي الشعراء القدامى على غرار امرئ القيس:
« يسحُّ ماءٌ في معلَّقة امرئ القيس الشريدِ»، أو «فاطمةُ التي لم ينجُ امرؤ القيس من بياضها المنهك». فتزدحم الذاكرة الشعرية الحديثة بذاكرة الشعر العربي، ولا يهمل الشاعر المرجعية الغربية:
على هذا النحو تجاور ولاَّدة وابن زيدون ولميعة عبَّاس عمارة وبدر شاكر السيَّاب وبلقيس ونزار قباني، أسماء الثقافة الغربية في هذه النصوص على غرار لويس أراغون وبابلو نيرودا…، »هي المطرُ الخفيُّ الذي يهطلُ في الأغاني البعيدةِ، وهي حفيدة ولَّادة حبيبة بن زيدون، وشبيهة الزا معشوقة لويس أراغون وسليلة ماتيلدا زوجة بابلو نيرودا، وصديقةُ لميعة ملهمة بدر شاكر السيَّاب، وشقيقة عائشة مرآة عبد الوهاب البيَّاتي، وتوأم بلقيس صفصافة قلبِ نزار قباني». ونجد في هذا العمل استدعاء لنصوص غربية أخرى مثل شكسبير:
« وكتبتُ سونيتاتِ شكسبير / ذقتُ سفرجل الأشواق»
ونجد كذلك استدعاء لعوالم الرسامين مثل بيكاسو وسلفادور دالي:
“هذا العالم سرياليٌّ
ينقصه سلفادور دالي كي يرسمهُ”
ولكن النصوص الغائبة لا تقف عند هذا المستوى الظاهر، فالشاعر ينوع مراجعه ويجعل بين نصه والشعرية الحديثة صلات مشتركة. فأبيات كثيرة تحيل على تناص مع نصوص سابقة. فثمة أصداء كثيرة لمحمود درويش ونزار قباني والسيَّاب وأدونيس وغيرهم، تتردد داخل هذا العمل، نصوصا مذكية نار القول، مثرية صورة العاشق وصورة الشاعر من جهة أخرى، عابرة بالشاعر إلى عوالم شعرية أخرى، فهو يعانق شعرية صوفية يتوحد فيها العاشق بالمعشوق وتغدو الحبيبة مركز الكون والروح:
«وطناً من قصائد كوني لأكتب / كوني دثاري.. هوائي وناري / شتائي وصيفي.. خريفي وعشب النجوم». ولعلَّ صورة الشاعر العاشق لا تنفصل عن صورة الشاعر الحالم التي تتكرر في مواقف مختلفة عن طريق التفاتة متكررة إلى الذات الشاعرة يمكن اعتبارها ضمن الخطاب الميتالغوي أو الخطاب النرجسي، فبالقصائد يصنع الشاعر أمنياته:
“ليتَ القصائد تنمو في الثرى لأرى
ظلا يفكُّ لقمصان الشموس عرى
ليتَ القصائد نارٌ في الشتاء لكيْ
يأوي إلى دفئها الأطفالُ والشُعرا
وليتني صرتُ نهراً في الهواء جرى
أو نجمةً في مهبِّ الريحِ أو قمرا”
وبالقصائد تتناثر أحلام الشاعر:
“شاعر يحلم الآن بالكحل أو بالأكفِّ المحنَّاةِ
أو يتعثر ليلا بزفرته في الطريق…”
هذه الفسيفساء تجعل القصيدة الشعرية عند نمر سعدي قصيدة منفتحة على تخوم عديدة، تتنازعها الخطابات المختلفة، من صوفية وسريالية وأسطورية يعجنها الشاعر في مخيلته لتشكيل صوره الشعرية الجديدة ولكتابة قصائده، لتجول به في عوالم العشق والحلم وليكتب قصائد تمتاز بتنوع الصور الشعرية، فالشاعر يلتقطها من كل الاتجاهات والفضاءات…

منبر العراق الحر منبر العراق الحر