الردع الأميركي في عصر الخوارزميات عندما تتسارع القرارات أسرع من البشر «الجزء السابع» ..الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

المقدمة: حين يصبح الزمن نفسه جزءاً من معادلة الردع

في القرن العشرين، كان الردع النووي يقوم على معادلة واضحة:

قوة مدمرة متبادلة + عقلانية سياسية + زمن كافٍ للتقدير.

 

كان هناك وقت للشك،

وقت للتحقق،

وقت للتراجع.

 

لكن في القرن الحادي والعشرين، دخل عنصر جديد قلب المعادلة:

 

الخوارزمية.

 

لم يعد الردع يُختبر فقط في عدد الرؤوس النووية،

ولا في انتشار الأساطيل،

بل في سرعة معالجة البيانات،

وفي قدرة الأنظمة على قراءة الإشارات قبل البشر.

 

أصبح الزمن نفسه متغيراً استراتيجياً.

 

وفي عالم تتقلص فيه نافذة القرار من ساعات إلى دقائق،

ثم من دقائق إلى ثوانٍ،

لم يعد السؤال: من يملك القوة الأكبر؟

 

بل: من يملك القدرة على التحكم بإيقاع القرار؟

 

وهنا تبدأ معضلة الردع الأميركي في عصر الخوارزميات.

 

أولاً: من الردع النووي إلى الردع الخوارزمي

 

الردع التقليدي قام على ثلاثة عناصر:

• وضوح القدرة

• وضوح النية

• وضوح العواقب

 

لكن في عصر الخوارزميات، دخل عنصر رابع:

 

سرعة المعالجة.

 

أنظمة الإنذار المبكر اليوم تعتمد على:

• تحليل بيانات الأقمار الصناعية لحظياً

• تتبع المسارات الصاروخية في الزمن الحقيقي

• تصنيف التهديدات عبر نماذج تعلم آلي

• تحليل سلوك الخصم عبر نماذج تنبؤية

 

وهنا يصبح السؤال:

 

هل القرار لا يزال بشرياً بالكامل؟

 

أم أن الخوارزمية أصبحت جزءاً من دائرة الردع؟

 

 

 

 

ثانياً: ضغط الزمن… أخطر من ضغط القوة

 

في الأزمات المعاصرة، لا يُقاس الردع بعدد الصواريخ فقط،

بل بزمن الاستجابة.

 

هجوم سيبراني قد يُشل شبكة كهرباء خلال دقائق.

صاروخ فرط صوتي يقلص زمن الإنذار إلى ثوانٍ.

حملة معلوماتية قد تخلق ارتباكاً استراتيجياً في ساعات.

 

كل هذا يضع صانع القرار تحت ضغط زمني غير مسبوق.

 

الخطر هنا ليس فقط في الخطأ،

بل في اتخاذ قرار قبل اكتمال الصورة.

 

 

 

 

ثالثاً: إيران في معادلة الردع الخوارزمي

 

عند إدخال إيران في هذا السياق، تتضح الصورة أكثر.

 

البرنامج الصاروخي الإيراني، خاصة مع تطوير دقة الإصابة وتنوع المنصات،

يعني أن زمن الإنذار لأي تصعيد إقليمي قد يتقلص.

 

الرد الأميركي في مثل هذا السيناريو لا يعتمد فقط على القوة التقليدية،

بل على:

• دقة التقدير الاستخباري

• سرعة التحقق

• منع سوء الفهم الخوارزمي

 

في أزمات مثل الخليج أو إسرائيل،

قد لا يكون الخطأ في نية الطرفين،

بل في تفسير البيانات.

 

وهنا يصبح الردع أكثر هشاشة مما يبدو.

 

 

 

 

رابعاً: الخوارزميات والإنذار الكاذب

 

التاريخ مليء بحوادث إنذار كاذب تم احتواؤها بفضل تدخل بشري بارد.

 

لكن في عصر التحليل الفوري،

قد تدفع الثقة الزائدة بالنظام الآلي إلى تقليص مساحة الشك.

 

ماذا لو قرأت الخوارزمية نمط تحرك على أنه هجوم؟

ماذا لو صُنّف إطلاق تجريبي كتهديد فعلي؟

 

في الردع التقليدي كان هناك وقت للتريث.

أما اليوم، فالفارق بين التحليل والتنفيذ قد يكون دقائق.

 

 

 

 

خامساً: الردع السيبراني… الضربة التي تسبق الصاروخ

 

في أي مواجهة أميركية–إيرانية محتملة،

لن تكون الضربة الأولى بالضرورة صاروخية.

 

قد تكون:

• شل أنظمة تحكم

• تعطيل شبكات دفاع

• تشويش اتصالات

• ضرب بنية تحتية رقمية

 

الردع السيبراني يعمل في الظل،

لكنه قد يكون مقدمة لأي تصعيد علني.

 

وهنا تصبح الخوارزميات جزءاً من المعركة،

لا مجرد أداة تحليل.

 

 

 

 

سادساً: الصين… البعد العالمي للمعادلة

 

لا يمكن فهم الردع الأميركي في عصر الخوارزميات دون إدخال الصين.

 

الصراع التكنولوجي بين واشنطن وبكين ليس اقتصادياً فقط،

بل سباق على:

• التفوق في الذكاء الاصطناعي العسكري

• أنظمة الإنذار الفائق السرعة

• الحوسبة الكمية

• تحليل البيانات الاستراتيجية

 

إذا كان الردع النووي في القرن العشرين قائماً على التوازن،

فإن الردع في القرن الحادي والعشرين قائم على سرعة الخوارزمية.

 

 

 

 

سابعاً: هل يصبح الردع أكثر هشاشة؟

 

المفارقة الكبرى أن التكنولوجيا التي صُممت لتعزيز الاستقرار

قد تجعل النظام أكثر حساسية.

 

لأن:

• سرعة القرار تقلل هامش التراجع

• أتمتة التحليل تقلل مساحة الحدس البشري

• ضغط الزمن يدفع نحو الاستباق

 

الردع لم يعد فقط ردعاً بالقوة،

بل ردعاً بضبط الإيقاع.

 

 

 

الارتباط بـ “لحظة ما قبل القرار”

 

إذا كانت المرحلة الرمادية التي تحدثنا عنها سابقاً

هي اكتمال عناصر القرار دون إعلانه،

 

فإن عصر الخوارزميات يجعل تلك المرحلة أقصر.

 

لحظة ما قبل القرار قد لا تدوم طويلاً في بيئة زمنها محسوب بالثواني.

 

وهنا تكمن الخطورة.

 

 

 

الخلاصة: الردع بين السرعة والحكمة

 

الردع الأميركي اليوم لا يواجه فقط تحدي خصوم مسلحين،

بل تحدي الزمن المتسارع.

 

في عصر الخوارزميات:

• البيانات تسبق التفسير

• التحليل يسبق التحقق

• والتوصية قد تسبق النقاش

 

القوة لم تعد فقط في حجم الترسانة،

بل في إدارة الفارق بين “سرعة النظام” و”حكمة الإنسان”.

 

وإذا كان الردع الكلاسيكي قائماً على توازن الرعب،

فإن الردع المعاصر يقوم على توازن السرعة.

 

أخطر ما في هذا العصر ليس أن يتأخر القرار،

بل أن يُتخذ بسرعة تفوق قدرة السياسة على استيعابه.

 

ولهذا فإن مستقبل الاستقرار العالمي

لن يُحسم فقط بحجم الجيوش،

بل بقدرة الدول الكبرى على إبقاء الإنسان داخل الحلقة.

 

فإذا خرج العقل البشري من مركز القرار،

فقد يتحول الردع من أداة استقرار

إلى معادلة هشّة لا تتحمل خطأً واحداً.

 

 

 

 

الجسر إلى الجزء الثامن

 

إذا كان الردع في عصر الخوارزميات قد قلّص زمن القرار،

فإن السؤال التالي يصبح أكثر عمقاً:

 

هل يمكن للنظام الدولي أن يحافظ على استقراره

في بيئة تتسارع فيها الحسابات العسكرية والسيبرانية بلا توقف؟

 

وهنا ننتقل إلى الجزء الثامن بعنوان:

 

ما بعد الردع الأميركي: هل يمكن هندسة الاستقرار العالمي؟

 

حيث سنناقش:

• فيزياء الحرب الحديثة

• توازنات الردع متعددة الأقطاب

• حدود السيطرة على التصعيد

• وهل ما زال الاستقرار نتيجة توازن… أم نتيجة حظ؟

 

اترك رد