منبر العراق الحر :.
كاميرون سيباه هو طبيب نفسي أمريكي ، و هو الذي ابتكر صيام الدوبامين ، بهدف التحكّم في الناقلات العصبية ، كي يتخلّص الجسد من الشعور بالمتعة السريعة .
وهذا الصيام أصبح شائعاً بين الناس ، وهو بحقيقة الأمر يعني الامتناع عن المُحبب بكثرة ، بهدف التفوق على العادات التي بالإمكان أن يُدمن عليها الإنسان ، مثل ، كثرة استخدام الهاتف ، حب الطعام ، أو حب اللعب والتكنولوجيا .
بينما إيناس علي أخصّائية الصحة النفسية وإرشاد الأسرة ، أكّدت أن صيام الدوبامين ينتشر كي يمتنع الفرد عن الأفعال الأفعال اليومية المُحببة إليه ، وقد يصل الأمر لدرجة أن يمتنع أساسيات الحياة مثل الأكل على سبيل المثال ، وهذا يؤدّي إلى الاكتئاب وأضرار كثيرة ، لأن كلّ شيء يحتاج لتوازن .
يُعرف صيام الدوبامين على أنّه هرمون التفاؤل ، والسعادة ، فهو يُنظّم المزاج والذاكرة والانتباه والأنظمة الحركية .
يُفرز الدوبامين عند الشعور بالتمكّن من تحقيقِ إنجازٍ ما ، أو عند الشعور باللذّة ، مّما يدفع الإنسان إلى تكرار هذه السلوكيات الايجابية .
وبحال فقدانه تبدأ سلوكيات سلبية خاصّة بالاكتئاب والعزلة ، والأفكار السوداء ، وقد تبدأ آلام أو مشاكل في الجهاز الهضمي ، وفي تنسيق الجهاز الحركي في الجسد ، وقد يتطور هذا الجانب ويتحوّل إلى مرض ” باركنسون ” ، واضطرابات في نقص الانتباه وفرط الحركة أو متلازمة تملّمل الساقين .
و لتحسين مستوى الدوبامين ، لا بُدّ من تناول وجبات غنيّة بالبروتين وفيتامينات D+B ، و ممارسة الرياضة بشكلٍ متواظب ، والتعرّض لأشعةِ الشمس .
ولتحقيقِ استمرارية أفضل ، لا بُدّ من الابتعاد عن المثيرات الرقمية ، مثل مواقع التواصل الاجتماعي ، بهدفِ إعادةِ توازن الدماغ في عصر السرعةِ الذي نحياه ، بعيداً عن السلوكيات الاندفاعية وعبودية الدوبامين .
المفهوم الذي انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول الدوبامين يحمل بعض الشوائب ، وهو ليس كما قصده مؤسّس هذه التقنية ” د . كاميرون سيباه ” ، وهناك العديد من الثغرات بين التسويق ، وبين الحقائق العلمية في علم الأعصاب .
ففي المقام الأول ، ومن الناحية البيولوجية ، لا يمكن للدماغ التوقّف عن إنتاج الدوبامين ، حيث أن الدوبامين هو مادة حيوية تنشط في مساراتٍ عدّة ، منها ما هو يرتبط بمسؤولية الحركة ، وإذا توقّف الدوبامين تماماً ، سيعاني الشخص من أعراض شلل شبيهة بمرض باركنسون .
لذلك نرى أن كلمة ” صيام ” غير دقيقة ، ولا ترتبط بالناحية العلمية ، لأن تفريغ الدماغ من المادة غير وارد ، بل بالإمكان أن تكون هناك محاولة لتقليل التأثروالتأثير الناتج عن المثيرات الخارجية .
آخذين بعين الاعتبار بأن الأساس العلمي السليم للدوبامين هو تعديل السلوك ، وليس التحكّم بكيميائيات الدماغ ، إنّ العلاج السلوكي المعرفي هو المستند الرئيسي ، وليس التلاعب الذي يهدف إلى تحديد مستويات الدوبامين كما لو كان خزّاناً نتحكّم به .
فعندما يتعرض الدماغ لكثافةٍ من المؤثّرات ، مثل الألعاب أو الأطعمة المُصنّعة أو مواقع التواصل ، بشكلٍ شبه دائم ، يحدث ما يمكن تسميته ” المتعة ” ، وفي هذه الحالة يحتاج الجسم لجرعاتٍ أكبر ليشعر باستمرارية الرضا والمتعة ، لإعادة ضبط الحساسية .
فصيام الدوبامين يُساعد على إضعاف الارتباط الشرطي بين المُحفّزات والاستجابة ، وهذا يُساعد الفرد على التحكّم بالضبط الذاتي .
علماً أن الدماغ يمتلك خاصّية متميّزة به هي ” التكيّف العصبي ” ، عند الابتعاد عن المؤثرات أو المثيرات القوية لمدةٍ ما ، حينها تستعيد مؤثرات الدوبامين حساسيتها تدريجياً .
إن الدماغ يملك القدرة على التكيّف بأنشطة الدوبامين ، منها المنخفض مثل المشي أو التأمّل أو القراءة ، مقارنةً بالسرعة الرقمية .
إن المفهوم الشائع حول الدوبامين ، يقول :
تقليل كمية الدوبامين في الجسم ، وتجنّب كل أنواع المتعة ، والتطهير الكيميائي للدماغ .
بينما المفهوم العلمي يقول :
تقليل السلوكيات الاندفاعية ، وتجنّب المُثيرات الضارّة ، وفق كلّ شخص ، وتعزيز المرونة والتركيز النفسي والتحكّم بالذات .
وبالمحصّلة نرى أن الدوبامين هو أداة سلوكية بحتة وفعّالة ، وتسميتها بصيام الدوبامين هي تسمية مجازية ليس إلاّ ، وليست حقيقية ، أو حقيقة بيولوجية دقيقة ، فالعلم يُؤكّد وبشكلٍ داعم ” الاستراحة من المثيرات ” ، لتأمين تركيز أسلم ، وبنفس الوقت لا يؤكّد أو يدعم فكرة أن الدوبامين مادة ضارة أو سامّة ، يجب الصيام عنها وتجنّبها .
لو دققنا جيداً ، نرى أن هناك فجوة واضحة فيما يخص المعرفة ، بين الدوبامين كجزء حيوي في الشبكة العصبية ، وبين الدوبامين كمحتوى ثقافي في الخطاب المعاصر .
إنّ علم الأعصاب يؤكّد لنا أن الدوبامين ليس مختصاً بالمتعة كما يُقال ، بل هو كما يؤكد علم الأعصاب بأنه جُزيء من التحفيز والتوقّع ، وهو الذي يدفعك للسير نحو ما تحتاج إليه ، وليس بالضرورة هو المادة التي تجعلك تشعر بمتعة الطعام على سبيل المثال ، لأن هذا الشعور من اختصاص السيروتونين والأوبيويدات .
أمّا الخطاب الشعبي المعاصر فإنه يُمثّل الدوبامين على أنه ” هرمون السعادة ” ، فهذا الخطاب المعاصر لا يُفرّق بين الإثارة وبين الرضا ، ويخلط بينهما ، معتبراً أن كلّ احساسٍ جيد هو دوبامين .
حتّى أنّ الحديث الشعبي المعاصر يختزل الدوبامين في مسار المكافأة ، وأي مسار حوفي يرتبط بالإدمان ، وتناسى المسار الحركي ” نقص الدوبامين ” الذي يُسبب الرعاش ، والمسار المعرفي ، الذي يؤثّر على الذاكرة والتخطيط .
وفي علم الأعصاب ، نجد أن الدوبامين هو نظام داخلي ، ذو تغذية خاصّة يتحكّم بها الدماغ ، الذي يسعى دوماً للتوازن في نسبته ، فإذا ارتفع الدوبامين يقوم الدماغ برفض عددٍ من المدخلات ، كي يتكيّف .
أما في الخطاب المعاصر نجد أنه يُقدّم الدوبامين على أنه شرير أو قنبلة موقوتة من صنع التكنولوجيا ، بهدف الاندفاع الاستهلاكي ، وهذا الخطاب يعتمد على المدخلات أمثال : الأفلام والسكّر ورنين الهاتف . وكأن الدوبامين عدوٌ علينا محاربته .
كما أن علم الأعصاب يصف لنا الكائن الحي بدون الدوبامين بأنه يفقد الإرادة حتّى في أبسط المهام ، فالدونامين بمفهوم علم الأعصاب بأنّه محرك البقاء الأساسي .
أمّا في الخطاب المعاصر ، يتم ربط الدوبامين بالرفاهية الزائدة ، ويصف الحياة الخالية من الدوبامين على أنها صفاء ذهني وقداسة ، بينما هذه الحالة التي يتحدث عنها الخطاب المعاصر بيولوجياً هي حالة اكتئاب سريري وقد يكون عجز حركي .
إنّ صيام الدوبامين لمن يُمارسه هو بالتأكيد سلوك صحي ، فيما إذا فهم كإدارة للمشتتات ، وهو بنفس الوقت حرمانٌ نفسي للذات غير مجدٍ ، إذا طُبّق كعقاب بيولوجي .
ومن جهةٍ أخرى هو سلوكاً صحيّاً إذا طُبّق عبر منطق الاسترداد ، وليس التجويع ، بمعنى أنه يُساعدك على معرفة عددِ المرّات التي تلجأ فيها إلى هاتفك ، والابتعاد عن المكافأة السريعة ، ومنح فرصة لدماغك للقيام بمهامٍ تحتاج إلى تركيزٍ أعلى ، وتحسين جودة المتعة ، من خلال محادثة هادئة ومثمرة ، والسير ببطء ، وبذلك نكون قد حسّنا جودة المتعة .
كما أن سلوكاً يُمثّل المبالغة الكاذبة ، أو الحرمان النفسي المُقنّع ؛ حينما نتجنّب مواقع التواصل الاجتماعي ، وأحياناً نمتنع عن الكلام ، في هذه الحالة يرتفع مستوى الكورتيزول ، أي هرمون التوتّر ، وبالتالي يؤدّي إلى العزلة ، وهو عكس الهدف المنشود أو المُراد ، أي الصحةِ النفسية .
وحينما نعتقد أننا ننظّف الدماغ من مادةٍ ما ، فهذا التصوّر هو خاطىء ، وبنفس الوقت يؤثّر سلباً على الضغط النفسي ، ويُسبب قلقاً ، مقابل أي إحساس بالمتعة ، وهذا بالتالي يؤدّي إلى الحرمان ومن ثُمّ الانفجار .
ومن ناحيةٍ علميّة نستطيع أن نقول أن صيام الدوبامين يستهدف سلوكياتٍ بعينها ، مثل مشاكل إدمان الألعاب أو الإباحيّة ، هذا هنا يكون بمثابة صيام كعلاج سلوكي .
أمّا من ناحية السلوك الشعبي لصيام الدوبامين ، فهو يستهدف المتعة في المقام الأول ، وهذا هنا هو حرمان قمعي ، حيث يُنظر إلى المتعة الطبيعية كخطيئةٍ بيولوجية .
الجسد لا يحتاج إلى صيام الدوبامين ، بل في حقيقة الأمر ، يحتاج إلى حميةٍ ومراجعة سلوكية ، وأن نتعلّم كيف نتعايش مع كلّ مثير ، دون أن يتملّكنا ، وليس أن نهرب منه إلى صومعة صامتة بلهاء ، ومن ثُمّ نعود إليه بنفس النهم بدون أي ضوابط .
ومن ناحيةٍ أخرى ، يمكننا التوضيح والغوص بشكلٍ أعمق ، بأن صيام الدوبامين ذو علاقة تضاد وجودي مع بنية الاقتصاد الرقمي ، حيث أن صيام الدوبامين هو بمثابة ” مقاومةٍ فردية ” ، بينما الاقتصاد الرقمي يُمثّل ” استغلال مدروس جماعي ” .
ففي الاقتصاد الرقمي يكون الانتباه أولاً هو المُنتج بهدفِ تحقيق أعلى نسبةٍ من الأرباح ، لذلك يبقى الفرد مضطرّاً داخل هذه البوتقة لفترةٍ أطول لتحقيقِ المُراد ، وهذا الترقّب يؤدّي لتدفّق دائم للدوبامين ، ممّا يؤهلك للبقاء ضمن هذه الدائرة ، وبنفس الوقت يُروّض الدماغ على طلب المتعة الآنيّة ، ويضعف القدرة بالتالي على تأجيل الاشباع .
الاقتصاد الرقمي يؤمّن لك المحتوى والاستشارة العصبية .
بينما الدوبامين يظهر ليس كعلاج فحسب ، بل كموقف ضد بنية الاقتصاد الرقمي ، حيث أن المصمّمون يستخدمون علم الأعصاب السلوكي لإثارة مراكز الغريزة ، هذا الاستقلال يحوّل الدوبامين من ناقلٍ للمعلومة والمعرفة إلى وقودٍ للاستهلاك الرقمي .
صيام الدوبامين هو محاولة لتحطيم ” العبودية الخوارزمية ” عندما تصمت و تتوقف عن الاستجابة للإشعارات .
الدوبامين يهدف إلى إعادة بناء اللذة ، بحيث لا تعود المثيرات الرقمية كافية للتحفيز ، ممّا يدفعك نحو متعةٍ في العالم الحقيقي ، عليك البحث عنها ، خارج نطاق السلع الرقمية .
إنّ صناعة الإدمان الرقمي هي بمثابة ” هندسةٍ عكسية ” ، للدماغ عند البشر ، بحيث تستخدم نقاط الضعف البيولوجي عندنا ، بهدف بناء ثروات برمجية ، بينما صيام الدوبامين في ماهيته هو بمثابة محاولةٍ لفك هذا الارتباط ، ويبقى الصراع دائراً لأنّه غير متكافئاً بين إرادةٍ فردية ، وخوارزميات مُعزّزة بأموالٍ ضخمةٍ جداً .
صيام الدوبامين بالإمكان اعتباره بمثابةِ الإسعاف الأوّلي ، ولكن لا يمكنه أن يكون بمثابة خارطة طريق لاستعادة المعنى ، فصيام الدوبامين يتعامل مع أدوات الإدراك ” الانتباه ” دون معالجة غايات الوجود ” المعنى ” .
صيام الدوبامين قد يُخفّف الضجيج أو يُوقف التشويش الرقمي الذي يُعيق تفكيرك ، لكنه لا يُلّمك بماذا عليك أن تُفكّر .
كما قد يُقلّل من الإرهاق العصبي ، ويمنحك شعوراً آنيّاً بهدوءٍ ما ، لكن بمجرد العودة ثانية للبيئة الرقمية ذاتها ، ستعود مرة أخرى الأعراض للظهور .
فأزمة المعنى أو الانتباه ليست بمثابة خللٍ في كيمياء الدماغ وحسب ، بل هي نتاج بنيوي للنظام الذي يُحوّل كلّ وقت فراغ إلى فرصة سانحة بهدفِ استهلاك محتوى ، أو شراء سلعة ، وهذه الجذور البنيوية يتجاهلها صيام الدوبامين .
الإنسان المعاصر يُعاني فعلاً من أزمة معنى ، حيث أن الروابط الاجتماعية والروحانية والعمل المهني أو اليدوي تراجع لصالح الانجازات الرقمية الهشّة ، بكل تأكيد يتحوّل صيام الدوبامين من مُجرّد مُسكّن ألم ، إلى خطوةٍ عملية نحو الحل ، عندما يكون وسيلة وليس غاية .
وحين تستعيد السيطرة على انتباهك ، تستطيع استعادة القدرة على اختيار أين تضع جهودك ( علاقات ، مهارة ، تأمّل ، تعلّم ) ، وهي المصادر الحقيقية للمعنى .
صيام الدوبامين قد يُعالج وسيلة الاستقبال ، أي ” الدماغ ” ، لضمان سلامتها ، لكنه لا يُعالج جودة ونقاء الرسالة ، الهدف ” المعنى ” ، هو تماماً كمن يُنظّف الزجاج أمامك ، لكنه لا يؤمّن لك ، أو يختار لك المشهد البديل المناسب الذي ستنظر إليه .
لا يمكن الاعتماد على صيام الدوبامين كحل ، والحل الجذري المأمون ، يستوجب إعادة صياغة علاقتنا بالتقنيات وهيكلة مجتمعات تسمو وترتقي من قيمة الحضور على حساب الاتصال ،
أي التفرقة ، هو الصراع بين العمق الإنساني والكتلة أو الكثافة الرقمية ، والفرق كبير بين أن تكون موجوداً ، وبين أن تكون مُجرد عقدةٍ ما في شبكةِ إتصال .
أن تكون حاضراً وموجوداً بالفعل يعني أن انتباهك غير منقسم أو مُشتت ، والحضور هو التربة التي ينبت فيها المعنى ، وبكل تأكيد لا يمكنك أن تتأمّل أو تتذوّق جمال ورونق ومضة ما وأنت في حالة ” اتصالٍ قلق ” .
إن الحضور يتطلّب قدرة جيدة على إهمال أي مُثير جانبي ، من أجل الولوج في التجربة الحالية المُعاشة .
قيمة الوجود يعني بصريح العبارة استعادة قيمة وجودة الحياة التي نحياها ، فالعمر يُقاس بعدد اللحظات التي كُنّا فيها بكلّ وعيٍ وفعلاً مستغرقين فيها ، إنها قيمة الحضور ، ولا يُقاس بعدد المتلازمات أو التنبيهات التي تفاعلنا معها ، أو استجبنا لها .
الآن لنحاول تفكيك ماهيّة ” صيام الدوبامين ” ، وإعادة هيكلة وبناء هذه الماهيّة كأداة واعية للسيادة الذاتية لها ، بعيداً عن أبجدية الحرمان القمعي أو التبسيط البيولوجي .
عملياً وعلمياً علينا أن نعترف بأنّه لا يوجد شيء يُسمّى ” تطهير الدماغ من الدوبامين ” ، آخذين بعين الاعتبار ، أن الدوبامين ليس شيئاً من الشوائب أو سُمّاً يتجمع في الدماغ ، أو يتراكم فيه ، بل قولاً واحداً هو عبارة عن لغة تخاطب بين الخلايا .
إنّ الخطاب السائد الذي يدعو ويروّج لصيام الدوبامين هو خطاب مُضلّل ، حيث أنّه يزرع الوهم عند الفرد ، بأن المشكلة الأساسية في المادّة ، وليست في العلاقة مع الإثارة أو المثير .
وبنفس الوقت إنّ البديل العلمي لهذه الحالة هو مفهوم إعادة ضبط الحساسية ، والهدف هو ليس تقليل الدوبامين ، بل هو استعادة حساسية المستقبلات العصبية ، التي تشنجت وتبلدت بسبب الكثافة الرقمية ، بهذه الحالة نحن ننتقل من منطق ” الصيام عن المادة ” إلى منطق ” شفاء الجهاز العصبي ، كي يستطيع أن يتذوّق المتعة البسيطة مُجدداً .
أحياناً بل غالباً ، يُمارس صيام الدوبامين وكأنه حمية قاسية ، وهذه الحمية تنتهي بانفجار استهلاكي ، حيث أن الحرمان القسري يُركز على ما لا نفعله ، مّما يُدقق ويرفع من قيمة ومستوى الشئ الممنوع في عقولنا ، ” كل ممنوع مرغوب ” ، هذا الشيئ يُساعد ، بل يدفع الصيام إلى معركة إرادةٍ منهكة ، بدلاً من كونه تغييراً في نمط الحياة وسلوكها .
لذا يجب النظر لصيام الدوبامين ، على أنه أداة للتدريب على التأخير ، فالسلوك الذكي هو الذي لا يمنع المتعة ، بل يُفكك الارتباط الشرطي بين المثير أو الحافز ، واستجابة العوز ، والهدف هنا بكل تأكيد هو خلق مسافةٍ زمنية تشكّل فجوة بين الرغبة وبين الفعل ، تسمح من خلالها للوعي بالتدخل كي يقول : ” أنا أختار بدلاً من أنا أستجيب ” .
فإذا كان صيام الدوبامين هو عبارة أو مُجرّد وسيلة لزيادة الانتاجية ليس إلاّ ، بمعنى ” أن نصبح مجموعة موظفين أفضل ، في نفس المنظومة ” ، فهذا يعني أنه نوعٌ من ” الرأسمالية النفسية ” التي تهدف وتقوم على حرمان الإنسان من لذّته ، لتعيده من جديد بمثابة أداة أو قطعة في الآلة أو الماكينة .
هنا يجب أن نفهم أن صيام الدوبامين كفعل تحرر وجودي ، هو عبارة عن ممارسة للتقشف الواعي ، الذي يروم إلى استعادة قيمة الحضور فعلاً ، هنا الفلسفة ليست في حالة هجران للتكنولوجيا ، بل في حالة إعلان أن التباهي ليس بمثابة سلعة للبيع أو الترويج ، بل إنّه مجرد انتقال من حالةٍ إلى أخرى ، من حالة المستهلك إلى حالة الموجود أو الحاضر .
إنّ صيام الدوبامين ليس وصفةً طبية ، أو ابتكاراً صحيّاً ، بل هو وبحقيقة الأمر ، هو عبارة عن وقفةٍ تأمّلية بهدفِ الهدوء ليس إلاّ ، وبدلاً من تسميته صياماً ، الذي يعني الحرمان والجوع والتوتر ، بالإمكان تسميته صيانة الوعي ، أو توجيه الانتباه ، وبذلك نكون أسياداً لتجربةٍ إنسانية نحن نوجهها ونتحكّم بها .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر