عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة….رانية مرجية

منبر العراق الحر :….مقالة تأويلية….

ليست المشكلة في أن البشر يقرأون النبوءات،

بل في أنهم لا يحتملون أن تبقى مفتوحة.

 

منذ أن كُتبت نبوة حزقيال عن “جوج وماجوج”، والوعي الإنساني يعيد رسم خرائطه فوق النص، كما لو أنه يريد أن يختبر دقته لا حكمته. في كل عصر، يُعلن بثقة أنه عثر أخيرًا على الاسم الصحيح، وعلى العدوّ المقصود، وعلى السنة الحاسمة. غير أن السؤال الأكثر صدقًا ليس: هل تحقق النص؟ بل: ماذا يكشف فينا إصرارنا على تحقيقه؟

الرمز حين يُختزل

حين يرد اسم “فارس” في النص، لا يكون ذلك استباقًا لدولة حديثة، بل استدعاءً لأقصى الأفق المعروف آنذاك؛ صورة للبعيد، للآتي من تخوم العالم، للقلق الذي يتجاوز الحدود المألوفة. إنه تعبير عن الامتداد، لا عن التحديد.

 

لكن العقل المعاصر، المشبع بمنطق المطابقة، لا يطيق هذا الاتساع الرمزي. يريد دولة محددة، تحالفًا محددًا، عامًا محددًا. وهنا يبدأ الانكماش:

يتحوّل الرمز إلى عنوانٍ سياسي،

ويتحوّل النص إلى توقعٍ عسكري،

وتتحوّل الحكمة إلى جدولٍ زمني.

 

غير أن الرمز — كما يشير بول ريكور — لا يُستنفد في مطابقته، بل في قابليته للتجدد. وحين نغلقه على خريطة معاصرة، لا نفسّر النص بقدر ما نُسقط عليه توترنا.

جوج كوظيفة تاريخية

“جوج” ليس اسمًا بقدر ما هو موقع في البنية.

هو تمثيل للقوة حين تتضخم حتى تتوهم خلودها.

هو صورة لليقين حين يفقد تواضعه الأخلاقي.

 

لذلك تغيّر اسمه عبر العصور، وبقيت بنيته.

مرةً كان إمبراطورًا،

ومرةً كان نظامًا،

ومرةً كان أيديولوجيا.

 

الثابت ليس الهوية، بل الحاجة إلى هوية.

نحن لا نبحث عن جوج لأن النص يطلب ذلك، بل لأن خوفنا يطلبه.

الرغبة في نهاية قابلة للحساب

الإنسان الحديث، رغم ادعائه العقلانية، لم يتحرر من قلق النهاية. هيدغر وصفه بأنه “كائن-نحو-الموت”، يعيش دائمًا في ظل إمكانية الانتهاء. غير أن مواجهة هذه الإمكانية فرديًا مؤلمة؛ لذا يُسقطها على نهاية جماعية، تاريخية، كونية.

 

حين نحدد سنة للنهاية، نشعر أن الغيب أصبح قابلًا للإدارة.

الفوضى تتحول إلى سيناريو،

والقلق إلى معادلة،

والتاريخ إلى خط مستقيم.

 

لكن النبوءة — في عمقها — لا تمنح جدولًا زمنيًا، بل تضعنا أمام سؤال أخلاقي:

كيف نعيش حين يبدو الشر شاملًا؟

حين يُختزل الآخر في أسطورة

الخطر الحقيقي لا يكمن في خطأ التفسير، بل في نتائجه.

حين يتحول “الآخر” إلى تجسيدٍ لشرٍّ مكتوب منذ الأزل، يُختزل تعقيده الإنساني، ويُبرَّر ضده كل خوفٍ مسبق. هنا تنقلب النبوءة من خطاب رجاء إلى أداة قلق.

 

النص لم يُكتب ليصنع عدوًا،

بل ليمنع اليأس من أن يصبح يقينًا.

ما الذي تكشفه النبوءة فعلًا؟

في سياقها الأول، كانت رسالة إلى جماعة مسحوقة في المنفى. لم تكن وعدًا بموعدٍ نهائي، بل تأكيدًا أن التاريخ لا يُختصر في لحظة سقوط. إنها تقول: حتى لو اجتمعت قوى الأرض في صورة واحدة، فالمعنى ليس هشًا كما يبدو.

 

تحويلها إلى توقعٍ عسكري يسلبها جوهرها.

فالنبوءة لا تَعِد بانتصار سلاح، بل بانتصار قيمة.

المفارقة الأخيرة

نحن نظن أننا نبحث في النص عن أعدائنا،

لكن النص — في صمته العميق — يبحث فينا عن وعينا.

 

كلما أصررنا على أن يكون لنا “عدو مكتوب”،

نكشف عن خوفٍ يريد يقينًا بأي ثمن.

وكلما قبلنا أن يبقى الرمز مفتوحًا،

بدأنا نتحرر من حاجتنا إلى اختراع نهاية.

 

النبوءة لا تسأل: من هي الدولة المقصودة؟

بل تسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا:

 

هل نحتاج إلى عدوٍّ أسطوري كي نشعر أن العالم مفهوم،

أم نملك الشجاعة لنعيش في عالمٍ لا يَعِدُنا بيقينٍ كامل،

بل يدعونا إلى مسؤولية المعنى؟

 

هنا لا تُحسم الجغرافيا،

ولا يُغلق التاريخ،

بل يُختبر الضمير.

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد