لبنان الجريحة: أغنية في وجه العدم ***** ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
لبنان ليس جغرافيا تقصف، بل ذاكرة تنتهك فأصبح الألم لغتها اليوميةالتي لا تحتاج إلى ترجمة
في هذا الركن من العالم، حيث تختلط رائحة الياسمين برائحة البارود، لا يعود السؤال: لماذا يحدث هذا؟ بل: كيف تبقى الحياة ممكنة في أرض تعاد صياغتها كل يوم بلغة الألم؟
لبنان لا ينزف وحده…
بل ينزف معه السؤال الأكبر:
كيف يمكن للعالم أن يحتمل نفسه، وهو يرى هذا كله، ولا يتغير؟
لبنان الجريحة لا تموت، لأنها تعلمت منذ فجرها أن تكون أكثر من مجرد جسد. هي فكرة عن الصمود، عن القدرة على تحويل الوجع إلى معنى، والدمع إلى نشيد. هناك، حيث تنهار البيوت، تبنى في الخفاء طبقات أخرى من الوجود: طبقات من الحنين، من التحدي، من الإصرار على أن الإنسان ليس ما يفرض عليه، بل ما يختار أن يكونه رغم كل شيء.
في لبنان، لا تولد الأغنية من الفرح، بل من شقوق الألم.
تخرج من بين الركام كأنها احتجاج ناعم، أو كأنها تمرد خفي على قانون الفناء.
وفي قلب هذا الركام، يرتفع صوت فيروز لا كغناء عابر، بل كفعل مقاومة.
هناك، حيث تتشقق الجدران، يتردد صوتها : “بحبك يا لبنان”، لا كجملة عاطفية، بل كفعل مقاومة ضد الكراهية التي تحاصر المعنى.
صوتها ليس نغما، بل ذاكرة تقاوم النسيان، ونداء خفي يقول: “نحن هنا… رغم كل ما يحاول اقتلاعنا.”
حين تغني، لا تهرب من الواقع، بل تعيد صياغته. تجعل من الحزن لغة قابلة للاحتمال، ومن الانتظار شكلا من أشكال الرجاء. كأن صوتها يرمم ما تعجز السياسة عن ترميمه، ويعيد للإنسان كرامته حين تسلبه الحروب اسمه ووجهه وتاريخه.
نعم صوتها يكاد يشبه الرجاء: “سنرجع يوما إلى حينا”، لا كحنين إلى مكان، بل كإيمان بأن ما يهدم في الواقع، يمكن أن يعاد بناؤه في الروح، حتى يتهيأ للعودة.
هكذا، لا تغني فيروز للبنان…بل تجعل من لبنان فكرة لا تموت، ومن الألم لغة لا تقود إلى الصمت،
ومن الإنسان كائنا، حتى في أقصى انكساراته، قادرا على أن يقول:
ما زال في القلب… متسع للحياة.
إايها الأصدقاء.:
إن المقاومة ليست دائما بندقية…
أحيانا تكون أغنية،
وربما نصا كهذا
وأحيانا تكون ذاكرة ترفض أن تمحى،
وأحيانا تكون قلبا، فقط، يصر على أن يحب
المقاومة قد تكون دمعة لا تنحني، أو ضحكة تولد وسط الرماد، أو قلبا يواصل النبض لا لأنه لا يعرف الألم، بل لأنه اختار ألا يستسلم له.
لبنان اليوم ليس وحده،
فكل قلب ما زال يؤمن بأن الإنسان يستحق الحياة، هو امتداد له.
كل دمعة تذرف لأجله، هي شهادة بأن الألم لم ينجح في أن يجعلنا أقل إنسانية.
إلى لبنان…
نقول: لسنا شهودا على جرحك، بل شركاء في وجعه.
قلوبنا معكم، لا كتعاطف عابر، بل كالتزام أخلاقي بأن نظل أوفياء لفكرة الإنسان، حتى في أكثر لحظاته انكسارا.
وفي ختام هذا الألم المفتوح على كل الاحتمالات، لا أجد ما أقوله يليق بحجم الجرح…
إلا أن أترك القلب يتكلم، لا كتعزية، بل كشهادة على أننا مازلنا ننتمي إلى إنسانيتنا،
ونهمس، بكل ما تبقى فينا من حب لا تهزمه الحروب:
من قلبي… سلام لبيروت.

اترك رد