معركة الخندق بين الأمس واليوم….. د. عدنان الشريفي

منبر العراق الحر :
التاريخ لا يكرر نفسه كأحداث، بل كقوانين ومواقف. في يوم الخندق وقف عمر بن ود العامري بجبروته الذي يظن أنه لا يُقهر، يصرخ في معسكر المسلمين متحدياً، فساد الصمت والوجوم، وأطرقت الرؤوس كأن على رآسها الطير، إلا صوتاً واحداً خرق صمت التردد، كان صوت علي بن أبي طالب الذي جسّد اليقين في مواجهة الطغيان. واليوم، نرى المشهد ذاته يتجسد في موازين القوى الدولية حيث تتقمص أمريكا وإسرائيل دور ابن ود الحديث، بآلتهم العسكرية المتغطرسة التي تظن أنها قادرة على عبور كل الخنادق وإذلال كل الإرادات.
إن القوى الكبرى اليوم تمارس الإرهاب النفسي ذاته الذي مارسه ابن ود العامري؛ فهي تراهن على صمت الأكثرية واستجداء الأمان خلف متاريس الخوف. وفي هذا الفراغ الرهيب، برزت إيران بموقفها البطولي لتمثل صولة علي في خندق العصر. فبينما يكتفي الآخرون بالتنديد أو التواري خلف جدران الوساطات المهينة، تقدمت طهران لترد التحدي بالتحدي، مرسلةً رسالة مفادها أن الرجل الذي لا يُقهر هو مجرد وهم تبدده الإرادة الصلبة.
المقارنة هنا ليست في ميزان القوى المادي فحسب، بل في عقيدة المواجهة لقد كانت ضربة عليّ لعمرو بن ود تعادل عبادة الثقلين لأنها كسرت حاجز الهيبة المصطنع، واليوم، كسرت المسيرات والصواريخ التي تنطلق من قلب الميدان هيبة القبّة الحديدية وأساطيل البحر، لتثبت أن الاستكبار ليس قدراً محتوماً، بل هو صنم يسقط بمجرد أن يتقدم فارس يرفض الانصياع لقواعد اللعبة التي وضعها الطغاة.
إن قادة إيران اليوم، بتضحياتهم الشخصية ودماء عوائلهم التي سبقت دماء شعوبهم، يجسدون روح الفتى الذي لم ينظر إلى كثرة الأحزاب ولا إلى جبروت العامري، بل نظر إلى تكليفه الأخلاقي. إنها معركة الأنا مقابل القضية فبينما يسعى عامريّ العصر لفرض شروطه عبر التجويع والحصار، يبرز عليّ العصر ليقول: أنا له محولاً الخندق من حصار لليأس إلى منطلق للانتصار الكوني. إن التاريخ سيحفظ أن في زمن الوجوم العربي والإقليمي، كان هناك من لم يرهبه بريق السلاح ولا عويل التهديدات، فكان الصدق الإيراني هو الضربة التي أعادت التوازن لكرامة الأمة الضائعة.

اترك رد