ثلاث وكالات دينية سياسية دمروا المنطقة.. ألم يحن وقت الصحوة الوطنية الإنسانية ….د.قيس جرجس

منبر العراق الحر :
لا شك أن الصراع على الهيمنة والسيطرة وزعامة العالم، هو ما زال العنوان لما يحدث الآن…
وما تزال المنطقة بموقعها الاستراتيجي وبثرواتها في قلب هذا الصراع…
لقد اقتضى ذلك الصراع لتحقيق غاياته الاستثمار في بئرين سحيقين في المنطقة:
= بئر جيولوجي للنفط.
= بئر تاريخي للدين والمذاهب.
فمن يريد أن يسيطر على البئر الأول وطرقاته ومداخله ومخارجه، كان عليه أن يمنع قيام دول حيوية موحدة قوية ذات سيادة حقيقية واستقلال كامل.
وذلك تطلب الاستثمار في البئر الثاني على مستويين:
= العمل على تأسيس وتصنيع عدو وجودي قوي مدعوم بكل أشكال الدعم مهدد لقيام تلك الدول.
فكان وعد بلفور وتأسيس الكيان الصهيوني.
= العمل على حماية عوامل الضعف وكل معطلات النهوض.
فكانت سايكس – بيكو الجغرافية السياسية، التي لم تفي بالغرض، لذلك كان لا بد من سايكس – بيكو أخرى تقوم على التقسيم الاجتماعي الثقافي الديني المذهبي والعرقي لخلق مواجهة غير مجدية وفاشلة ومدمرة للدول والمجتمعات.
وكل ذلك على أرضية غياب الوعي الوطني وضياع الهوية الوطنية…
لذلك تعهدت الشركات الغربية الاقتصادية السياسية الأمنية الكبرى بالاستثمار في البئر الأول.
وتم تعهيد البئر الثاني لثلاث وكالات دينية ومذهبية في المنطقة:
الوكالة اليهودية السياسية- الوكالة الشيعية السياسية- الوكالة السنية السياسية
=الوكالة اليهودية العالمية:
في تصنيع عدو، على شكل قاعدة بشرية دينية عسكرية، بتأسيس مشروع أيديولوجي ديني سياسي، يعمل على تجميع اليهود من كل بلاد العالم، في وطن، تسوّغه فكرة دينية سياسية، تقوم على سردية غيبية للتاريخ، ترى نشوء الأمم والدول مسارا إلهيا مقلوعا من شروطه التاريخية الاجتماعية الموضوعية، إذ ترى الوطن وعدا إلهيا أو طابو أخضر لدين مختار…
بينما كانت الدول الغربية الداعمة لذلك، تغادر فكرة الأمة والدولة الدينية والمذهبية، وتدك حصونها، إلى رحاب الدولة الوطنية الحديثة الجامعة، التي تقوم على أساس الأمة الوطنية – المتحد الاجتماعي المستمر في نشوئه وتطوره ضمن جغرافية اجتماعية معينة أتمت كينونتها الإنسانية الاجتماعية فيما يسمى الوطن…
فكان تأسيس الكيان الصهيوني نتيجة لذلك الاستثمار، بدعم غير مسبوق، بداية لرسم تاريخ جهنمي للمنطقة، بإعلان الحروب المستمرة على شعوبها ودولها من أجل ترويعها وتركيعها والهيمنة عليها…
وكان نشوء الكيان أيضا سمة بارزة للنظام العالمي الجديد الذي انقسم لمحورين في سياق حرب باردة.
ولقد ساهم الصراع العربي الإسرائيلي مع الصراع العالمي بين المحورين في تقويض المسار التاريخي التطوري الطبيعي في دول المنطقة نحو التحديث والتطوير والتغيير ونشوء دول وطنية على أسس عصرية في الحرية والعدالة من خلال تشكيل أنظمة سياسية تابعة تخدم أي من المحورين مقابل أن تبقى في كرسي الحكم…
وقد عملت تلك الأنظمة على تشييد أبراج الاستبداد والفساد وساهمت في تشقق الأرضية الاجتماعية الوطنية ببعث الموروث الديني المذهبي وتأهيله سياسيا وثقافيا…
لقد كان نشوء الكيان الصهيوني الشرط اللازم لبقاء محيطه مهددا دائما، ريثما نضج الشرط الثاني الكافي في إبقاء المحيط مقسوما ومشرذما ومتخلفا وفاشلا في القيامة والمواجهة…
حيث تم العمل على الاستثمار في البئر التاريخي الديني في استنفار مواجهة مع الدول الغربية والكيان الصهيوني على أساس ديني مذهبي منقسم على نفسه، من خلال الترويج لنفس الفكرة والسردية الغيبية لقراءة التاريخ وفهم الأمة والدولة، عبر نشوء مشاريع أيديولوجية دينية سياسية تعمل على استعادة أوهام تاريخية، وبالتالي بعث الصراعات الدينية المذهبية التاريخية، في واقع من الضياع والتخلف والجهل وانقسام الدين الواحد إلى مذاهب متصارعة على السماء والأرض والسلطة…
فكانت الوكالة الثانية في مواجهة الكيان الصهيوني:
= الوكالة الشيعية السياسية- ولاية الفقيه العملاقة:
التي قامت وتقوم على مشروع إيديولوجي مذهبي سياسي، يعمل على إقامة دولة إسلامية عابرة للأوطان، باستلاب الشيعة وطنيا في كل البلدان، لصالح سيطرتها وهيمنتها على كامل المنطقة.
فلقد استباحت كل دولها، محاصرة كل دولة فيها بميليشيات وأحزاب مذهبية مسلحة رديفة، مع نفير وسعار طائفي وبعث للأحقاد، مع استثمار واحتكار المواجهة مع العدو الصهيوني…
وكانت الوكالة الثالثة في مواجهة الدول الغربية والتي تم استثمارها في المواجهة بين المحاور في العالم والمنطقة:
= الوكالة السنية السياسية- خلافة القاعدة الجهادية الإسلامية العالمية:
التي أقامت مركزها في أفغانستان، وعملت على استلاب وتحويل السنة إلى وقود مشروعها السياسي أيضا، في استعادة الخلافة الإسلامية، عبر تنظيمات وأحزاب عابرة للأوطان تستبيح قتل الآخر وتهديم الدول ووئد أي شعور وطني أو إنساني…
وكل ذلك تحت شعار الله وأكبر…
وكلا المواجهتين لم تجلبا سوى الفشل والخيبات والدمار والانقسام والتشرذم والحروب المذهبية…
تلك الوكالات -الشركات استباحت بلادنا والمنطقة لعقود مع أنظمة استبدادية كانت أشبه بمخلّص جمركي لعبورها مقابل أن تحتفظ بكرسي السلطة…
تلك الوكالات- الشركات أجهضت أي قيامة لنهضة أو عمران أو ازدهار بقيام دولة وطنية حديثة باسم المقدسات والنبوءات وانتظار المنتظر…
الآن نحن أشباه دول منزوعة السيادة والإرادة، مجتمعات ممزقة المكونات يسودها توازن الرعب على قيد التقسيم والعمالة، هجرات كبيرة وفقر وجهل وضياع، غياب مطبق للوعي الوطني والإنساني، نتبادل الكيديات والتشفّي والكره والحقد…
الآن نحن في جحيم هذه الشركات العملاقة العدمية مع سيطرة كاملة للصهيونية العالمية المدعومة بأرباب المال والقوة في العالم…
عن أي انتصار نتحدث في المقاومة أو التحرير أو الثورة أو التغيير، وقد سقطت جميع البلاد تحت الوصاية الأمريكية- الإسرائيلية، ونحن سلطات أمر واقع أشبه بمرتزقة الحروب وقراصنة البحار، وشعوب موزعة على أرصفة الأمم…
أيتها هالذقون المنحرفة الباعصة للتاريخ والشعوب ومعنى الله على الأرض، لن تتمكني يوما من كتابة اعتذار…
ألم يحن زمن الصحوة الوطنية الإنسانية كأساس أول للخروج من هذا النفق، ومواجهة كل هذه الشركات المنحرفة إنقاذا للناس والشعوب والأديان نفسها…
==

اترك رد