أسرار الأكلات والألعاب الشّعبية في شمّ النّسيم

منبر العراق الحر :

ترتبط مائدة شم النسيم في مصر بأطعمة محددة تحمل كل منها دلالة رمزية وصحية وتاريخية تعود إلى آلاف السنين. ويتصدر السمك المملح أو “الفسيخ” هذه القائمة كرمز للارتباط بالنيل. كان المصريون القدماء يقدسون السمك ويقومون بتمليحه لحفظه وضمان بقاء خير النيل متاحاً طوال العام، ومن ثم أصبح أكله في عيد الربيع طقساً يعبر عن الوفاء لنهر الحياة.

أسرار الأكلات والألعاب الشّعبية في شمّ النّسيم
وإلى جانب السمك، البصل الأخضر الذي كان يستخدم في الطب المصري القديم لطرد الأرواح الشريرة والأمراض المعدية، ما يجعله “تميمة” وقاية وحياة. أما الخس فقد اعتبره القدماء نباتاً مقدساً يرمز إلى الخصوبة والنماء نظراً للونه الأخضر الذي ينمو بكثافة في هذا التوقيت ليكون الطعام في شم النسيم رسالة تكاملية بين الصحة والرمزية.

البيض (السوحت) :
يرتبط البيض في وجدان المصريين بفكرة البداية الأولى، إذ يمثل رمزاً للحياة التي تنبثق من العدم، وتجدد الخلق مع كل دورة زمنية جديدة. ومنذ العصور القديمة، اكتسب البيض مكانة رمزية خاصة باعتباره أصل الكائنات وبداية الوجود. وقد اعتاد المصريون تلوين البيض وزخرفته بألوان زاهية تعبيراً عن الفرح بالحياة، ثم تعليقه في أماكن ظاهرة لتتعرض نقوشه وأمنياته لأشعة الشمس، في طقس يعكس الإيمان بتحقق الآمال مع شروق يوم جديد وبداية فصل يحمل معاني البعث والتجدد.

السمك المملح (الفسيخ) :
يمثل السمك المملح أحد أقدم الأطعمة المرتبطة بالمناسبات، ارتبط ظهوره بتقديس النيل الذي اعتبره المصري القديم مصدر الحياة. وقد انعكست هذه الفكرة في تناول الفسيخ خلال احتفالات الربيع، باعتباره رمزاً للحياة التي خرجت من المياه الأولى. وبرع المصريون منذ القدم في حفظ الأسماك وتمليحها، وظهرت مشاهد ذلك في النقوش الجدارية.

البصل (حجو) :  
احتل البصل مكانة مميزة في طقوس الاحتفال بالربيع. فقد نشأت حوله أسطورة تتحدث عن شفاء أحد الأمراء من مرض خطير بعد استخدامه، ما عزز الاعتقاد بقدرته على طرد الشرور والأمراض. ومنذ ذلك الحين، أصبح جزءاً من طقوس الاحتفال.

الخس (عبو) :  
ارتبط نبات الخس في مصر القديمة بمعاني الخصوبة والنماء، نظراً لعلاقته الرمزية بإله الخصوبة، ما جعله عنصراً مهماً في احتفالات الربيع. وكان تناوله يعبر عن التطلع إلى زيادة الخير واستمرار الحياة في صورتها المتجددة. وإلى جانب رمزيته الدينية، عُرف بفوائده الصحية.

الحمص الأخضر (الملانة) :
يُعد الحمص الأخضر، المعروف باسم “الملانة”، من أبرز رموز الربيع في مصر، إذ ارتبط ظهوره بنضج الأرض واستعدادها لمنح الحياة من جديد. وقد عرفه المصري القديم وأدرك دلالته المرتبطة بامتلاء الثمرة ونضجها، فاعتبره علامة على اكتمال دورة الحياة وبداية مرحلة جديدة من النمو والازدهار.

الألعاب الشعبية واحتفال الأطفال والكبار:
شهدت احتفالات شم النسيم قديماً وحديثاً تنوعاً كبيراً في الألعاب الشعبية والنشاطات الترفيهية التي تهدف إلى نشر السعادة وبث روح المنافسة الشريفة بين المشاركين في الاحتفال. من أبرز هذه التقاليد مسابقات “تكسير البيض”، وهو طقس يحمل في طياته دعوات بالحظ السعيد والظفر في العام الجديد. كما كان الشباب يمارسون ألعاباً بدنية وخفيفة في الهواء الطلق مثل شد الحبل والمصارعة الودية والعدو.

أما الفتيات فكن ينشدن الأغاني التراثية ويرقصن رقصات تعبيرية تعكس فرحة الأرض بالعطاء والحصاد الوفير القادم. هذه الألعاب لم تكن لمجرد ضياع الوقت بل كانت وسيلة لتقوية الروابط الاجتماعية وبناء الشخصية المصرية المرحة التي تحب الحياة وتقبل عليها بكل جوارحها في كل مناسبة.

شم النسيم تراث عالمي على أرض مصرية:
يعد “شم النسيم” اليوم أكثر من مجرد عيد محلي بل هو جزء من التراث الثقافي العالمي الذي يستحق التسجيل والاحتفاء به كأقدم احتفال ربيعي مستمر في تاريخ البشرية دون انقطاع. إذ تمثل طقوس هذا العيد “قوة ناعمة” لمصر تعكس للعالم مدى عمق الجذور الحضارية للشعب المصري وقدرته المذهلة على الحفاظ على هويته.

شم النسيم هو رسالة مصرية للعالم: تقول إننا شعب صنع الفرح قبل أن يعرفه الآخرون بآلاف السنين وسنظل نحتفل به دائماً.

*أستاذ الآثار واللغة المصرية القديمة المشارك –  جامعة الوادي الجديد

المصدر : النهار

محمود حامد الحصري

اترك رد