منبر العراق الحر :
لا تمثل جولة المفاوضات الأولى في باكستان نهاية المطاف، بل كانت جس نبض استراتيجي في مرحلة تتسم بتعادل سلبي بطعم النصر المبهر لطهران بين طرفين يواجهان ضغوطاً وجودية تجعل من الدبلوماسية الخيار الأقل كلفة. غير أن قرار الإدارة الأمريكية الأخير بفرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية، عقب تعثر محادثات إسلام آباد، يضع هذه التهدئة الهشة أمام اختبارها الأصعب.
إن الحصار البحري ليس خروجاً عن منطق التفاوض، بل هو محاولة أمريكية لرفع سقف الضغوط لانتزاع تنازلات نوعية قبل الوصول إلى اتفاق إطار. فواشنطن، بذهنيتها الصفقاتية، تحاول تحويل الحصار إلى أداة ضغط قصوى لإجبار طهران على القبول بشروطها، بينما تظل إيران، ببراغماتيتها المعهودة، متمسكة بهيكلها الاستراتيجي وتراهن على قدرتها على الصمود والالتفاف على الحصار. نحن إذن أمام تصعيد منضبط يدار بحذر؛ حيث لا يملك أي من الطرفين رفاهية الانفجار الشامل، ولا يملك التنازل الكامل عن أوراقه.
في هذا المشهد، تبرز إسرائيل كعامل عرقلة يسعى لتقويض أي مسار دبلوماسي، إلا أن القرار النهائي يظل رهين أولويات الأمن القومي الأمريكي. ومن المستبعد انهيار مسار المفاوضات كلياً ما لم يحاول أحد الطرفين فرض شروط استسلام، وهو ما لا تسمح به موازين الرعب الراهنة.
في تقديري الاستراتيجي، إن حصار الموانئ ليس استراتيجية طويلة الأمد، بل هو “زمن مستقطع” في مباراة كبرى. فترامب لا يريد إشعال حرب إقليمية مكلفة تقوض طموحاته الاقتصادية، وإيران لا تملك ترف المواجهة المباشرة التي قد تطيح ببنيتها التحتية. لذا، أتوقع أننا نتجه نحو تصعيد خطير يؤدي الى انفراجة اضطرارية خلال الشهرين المقبلين ، ستصل فيها الضغوط إلى ذروتها القصوى، مما سيجبر الطرفين على العودة لطاولة المفاوضات. إن اتفاق باكستان لم يمت، بل هو في غرفة العناية المركزة ، وسيولد من رحم هذا التصعيد اتفاق يمنح ترامب نصراً إعلامياً، ويمنح طهران متنفساً اقتصادياً. باختصار: نحن نعيش الفصل الأخير من مسرحية ترامب في التصعيد، حيث سيجد في الاتفاق المحدود خياراً أكثر ربحية من المخاطرة بالحرب، لتفرض موازين القوى في النهاية تسوية مرة، لكنها التسوية التي ستمنع الانفجار الكبير لكن سيكون المنتصر الحقيقي هو ايران .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر