منبر العراق الحر :
تستطيع غيمةٌ ماطرة أن تتحوّل إلى نهرٍ جارف، يسقي الحقول فتنبثق البذور ويزهر النبات، غيمةٌ واحدة مثقلة بالمطر، لا غيمةٌ عابرة مجدبة لا تثير سوى الغبار.
هكذا يتحوّل الرجل إلى ضمير أمة ولسانها الناطق بالحق والاحتجاج، حين يحلّ زمن الخوف، وتُطبِق مشاعر الهزيمة على الفضاءات الفردية، ويغدو الصمت ملاذاً من التهلكة. عندها يسطع ضوء الرجال العظماء، فيُكتَب لهم قدرٌ مغاير ومجدٌ خالد، وكان السيد محمد محمد صادق الصدر رمزاً لزمانه المضيء.
رجلٌ لم يملك سوى عصاه، وروحه الفولاذية، وعقلاً نما في بيداء الحكمة وارتوى من شجاعة الإيمان، فصار المعادل الموضوعي للخوف الشعبي العام، والجدار الصادّ لعسف السلطة وإرهابها، والنشيد الجديد الذي تردّد لحنه في سماوات ملايين الشباب، في مدنٍ كانت تقاوم الجوع وتبحث عن الأمل، فوجدوا في اسمه وتعاليمه قدرةً على الصمود، وإمكانيةً لاستشراف المستقبل. ومن هنا كانت البداية المثلى لمنهجية اجتماعية جديدة يقودها الصدر الأب، خرجت على طوق السلطة وجمود المجتمع.
رجلٌ تحوّل إلى منظومة فكرية، تعليمية وتربوية وتثقيفية، جامعة وقادرة على مواجهة الطغيان، وترسيخ الوئام الاجتماعي في زمن النفور والانقسام والجوع!
وقدّم درساً في تحويل الفقر وظروف الحصار، من عبءٍ إلى رافعةٍ روحية، تدفع الشبيبة نحو التهذيب الأخلاقي والنضج الاجتماعي، لبناء مجتمعٍ فاعل غير مستسلم، حدث ذلك في زمنٍ بلغت فيه دكتاتورية النظام ذروتها، وطغى استبداده بما يفوق تجارب كثيرة في التاريخ.
الرجلُ المدرسة، الذي دفع النظام الفاشستي إلى استشعار الخطر، إذ رأى في هذا البياض المقدّس بالإيمان مساراً نحو فجر التغيير في وعي ملايين الشباب، يكاد يتحوّل إلى عاصفة تقتلع جذور الطغيان. فاجتمعت سلطة الإرهاب والحقد على اغتياله، مستهدفةً الغيمة الأولى وحقولها، الأبناء البررة!
غير أنهم غفلوا عن أن الحقول قد امتدّت، وأن الشجر يواصل نموّه وصعوده رغم الرياح العاتية.
وما يزال أثر الشهيد الصدر حيّاً، في امتداداته الاجتماعية والفكرية، وفي حضور نجله مقتدى، الذي يحمل جذور تلك التجربة المتغلغلة في أرض العراق.
رجلٌ يصبح أمة؛ سلاحه العصا، وعدّته الشجاعة والإيمان، أليست هذه سرديةً جديرة بالاستذكار والخلود، بوصفها إحدى أيقونات البطولة العراقية التي دخلت التاريخ من أوسع أبواب المجد!
الآن، حيث زمن اللهاث من أجل المال والنفوذ وسيادة الفوضى وسقوًط القيم وتغول الفساد، نحتاج أن نستذكر تلك الطاقة الروحية الزاهدة للشهيد محمد محمد صادق الصدر وتعاليمه الأخلاقية والتربويّة المفقودة للأسف.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر