الروح الشيعية ومصيرها…د.عدنان طعمة

منبر العراق الحر :
إن مصير الروح الشيعية اليوم يشبه إلى حد بعيد ما وصفه هيغل بمصير الروح المسيحية وهي الانتقال من ذاكرة الألم إلى امتحان السلطة والتاريخ.
فالروح المسيحية الأولى نشأت من حدث مأساوي، من الاضطهاد والصلب والشهادة وصرخة يسوع على الصليب سؤالا وجوديا عارياً في مواجهة الألم، (الهي لماذا تركتني). إذ كانت الروح اليسوعية تقف خارج السلطة وتنتقد العالم القائم باسم قيمة أخلاقية أعلى. لكن عندما أصبحت المسيحية جزءاً من الإمبراطورية والدولة، لم يعد السؤال قائما بكيف نواجه الظلم؟ بل أصبح كيف نحافظ على نقاء الرسالة ونحن نمارس السلطة؟
والأمر ذاته يمكن أن يقال عن الروح الشيعية. فقد تشكلت تاريخيا حول كربلاء بوصفها رمزاً للمقاومة الأخلاقية في مواجهة القوة وغطرسة العتاة إذ كانت روحا تنتصر للحق المهزوم والحق الشهيد لا للقوة المنتصرة. لكن بعد دخول الروح الشيعية إلى فضاء الدولة والسلطة في العصر الحديث، في إيران بدرجة كبيرة وفي العراق بدرجات مختلفة، نقلها إلى امتحان جديد لم تعرفه عبر معظم تاريخها.
في ضوء قراءة معرفية للحالتين (المسيحية والشيعية) فهي تنبع من الذاكرة، ذكرى الصلب في المسيحية، وذكرى كربلاء في التشيع. أما اليوم فان الروح الشيعية فقد أصبحت مطالبة بأن تنتج إجابات عن أسئلة الحكم والاقتصاد والعدالة والمؤسسات وعلاقاتها الدولية والاقليمية. وهنا يظهر التوتر بين روح الذاكرة وروح الدولة.
لذلك اعتقد إن الصراع مع الولايات المتحدة أو الغرب ليس سوى السطح الظاهر للمشهد. أما في العمق، فهناك صراع آخر أكثر أهمية وهو هل تستطيع الروح الشيعية أن تنتقل من مرحلة استذكار المأساة إلى مرحلة إنتاج معنى حضاري جديد؟ أم أنها ستبقى تدور حول الجرح المؤسس دون أن تتجاوزه؟
الروح المسيحية في تاريخها واجهت سؤال، كيف تتحول الشهادة والصلب اليسوعي إلى حضارة؟
والروح الشيعية تواجه اليوم السؤال نفسه في العراق الشيعي تحديدا وهو كيف تتحول كربلاء من ذاكرة للمظلومية والشعائر والطقوس المبتدعة إلى مشروع دولة للعدالة؟
وهنا يتحدد المصير، فالأرواح التاريخية لا تنحسر لأنها تهزم عسكرياً، بل لأنها تعجز عن تحويل ذاكرتها الأخلاقية إلى أفق جديد للإنسان والتاريخ. فإذا بقيت أسيرة الماضي تحولت إلى طقس، او قد تكون في مرحلة الهرم والموت مالم تتدارك ما يمكن تداركه.. وإلسؤال هنا هل يظهر خطاب مرجعي مؤسسس يعيد تأويل الماضي ومخرجاته القائمة على التعارض والمقاومة نحو صناعة المستقبل وتحويل التشيع إلى قوة حضارية.
قد اكون احلم ان يتحقق ذلك في العراق الشيعي الذي يحكم السيطرة عليه اليوم الاطار السياسي التنسيقي الذي حول موارد الدولة إلى منابع للفساد واستنزاف المال العام…

اترك رد