*هل انتصرت إيران سياسياً رغم خسارتها العسكرية؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب سياسي…
من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة الحروب الحديثة الخلط بين النتيجة العسكرية والنتيجة الاستراتيجية. فالتاريخ مليء بأمثلة لدول خسرت جزءاً كبيراً من قوتها العسكرية لكنها خرجت سياسياً أقوى مما كانت عليه، كما شهد حالات معاكسة حققت فيها جيوش انتصارات ميدانية باهرة لكنها فشلت في تحويلها إلى مكاسب سياسية مستدامة.
ومن هذا المنطلق فهناك ثمة أسئلة، تحتاج الى إجابة معقولة حول الحرب الأخيرة على ايران: هل خسرت إيران عسكرياً؟ وهل نجحت القوى التي حاربتها في تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية النهائية؟ هذه الأسئلة هي مفتاح فهم ما جرى وما سيجري خلال السنوات القادمة.
*الحرب لم تكن على البرنامج النووي فقط*
الخطأ في قراءة المشهد هو اختزال الصراع بالملف النووي. فالبرنامج النووي لم يكن سوى عنوان ظاهر لصراع أعمق بكثير. الحرب كانت تدور حول أربعة ملفات متداخلة: مستقبل النظام الإيراني نفسه، والبرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي الإيراني الممتد من الخليج إلى البحر المتوسط. بمعنى آخر، لم تكن المعركة حول أجهزة الطرد المركزي فقط، بل حول موقع إيران في النظام الإقليمي القادم.
ولهذا فإن تقييم نتائج الحرب يجب أن يتم على أساس هذه الأهداف الأربعة مجتمعة.
*ماذا تريد إسرائيل؟*
منذ سنوات طويلة تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر منذ تأسيس الكيان الصهيوني. فإسرائيل لا تخشى القنبلة النووية فقط، بل تخشى أيضاً، القوة الصاروخية، والطائرات المسيّرة، وشبكات الحلفاء الإقليميين، والعقيدة السياسية للنظام الإيراني. لذلك كان الهدف الإسرائيلي الفعلي يتجاوز مجرد تدمير منشآت نووية.
كانت هناك قناعة داخل دوائر عديدة في تل أبيب أن اللحظة التاريخية قد تسمح بإعادة تشكيل إيران نفسها أو على الأقل إضعافها إلى درجة تمنعها من استعادة دورها الإقليمي لعقود.
لكن إذا انتهت الحرب بتفاهم سياسي يعيد إيران إلى طاولة التفاوض ويمنحها فرصة لإعادة البناء الاقتصادي، فإن السؤال الإسرائيلي سيصبح أكثر إلحاحاً: هل جرى حل المشكلة أم تأجيلها؟ وهنا يكمن جوهر القلق الإسرائيلي.
فالدولة التي تتعرض لضربة عسكرية ثم تنهار تختلف عن الدولة التي تتعرض لضربة ثم تعيد إنتاج نفسها.
*إيران: الخاسر العسكري الذي منع الهزيمة الاستراتيجية*
إذا افترضنا أن إيران تعرضت لخسائر واسعة في بنيتها العسكرية، وأن جزءاً كبيراً من قدراتها الصاروخية والدفاعية تعرض للتدمير، وأنها فقدت شخصيات سياسية وعسكرية وعلمية بارزة، فإن ذلك يمثل بلا شك خسارة عسكرية مؤلمة.
لكن في المقابل يجب النظر إلى ما لم يحدث. لم يسقط النظام الذي راهنت عليه أمريكا ودول الخليج، ولم تنقسم الدولة بطوائفها واقلياتها، ولم تنهَر مؤسسات الحكم، رغم حجم الاغتيالات للقادة. ولم تتحول إيران إلى ساحة فوضى داخلية، ولم يتم تفكيك المشروع النووي بصورة نهائية.
وفي علم الاستراتيجية كثيراً ما يكون ما لم يحدث أهم مما حدث فعلاً.
فالهدف الأول لأي دولة تتعرض لحرب وجودية هو البقاء. وإذا كان الهدف الأقصى للخصوم هو تغيير النظام أو إسقاطه، فإن مجرد فشلهم في تحقيق هذا الهدف يمنح الطرف الآخر فرصة الادعاء بأنه صمد وانتصر سياسياً.
ولهذا قد يكون الوصف الأدق هو أن إيران خسرت جزءاً من قوتها لكنها نجحت في حماية جوهر مشروعها السياسي.
*لماذا احتاج ترامب إلى التسوية؟*
لفهم السلوك الأمريكي يجب فهم طبيعة التفكير الترامبي. ترامب لا يفكر بعقلية المحافظين الجدد الذين غزوا العراق بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط. كما أنه لا يفكر بعقلية الإدارات التي كانت مستعدة لخوض حروب طويلة تحت شعار نشر الديمقراطية.
الرجل يفكر بمنطق الصفقات والكلفة والعائد. وعندما تتحول الحرب من فرصة لتحقيق مكاسب سريعة إلى مشروع استنزاف طويل، يبدأ البحث عن مخرج سياسي.
فاستمرار الحرب كان يعني، ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة العالمية، وزيادة الضغوط الاقتصادية الداخلية، وتحقيق مخاطر سياسية قبل الاستحقاقات الانتخابية، واحتمال التورط العسكري المباشر. لهذا فإن التفاهم مع إيران قد يوفر لترامب ما يحتاجه تماماً: إعلان انتصار سياسي دون تحمل كلفة انتصار عسكري كامل.
يمكنه أن يقول للناخب الأمريكي، لقد دمرت القدرات الإيرانية، وأجبرت طهران على التفاوض، وأعدت فتح هرمز، ومنعت حرباً طويلة. وهذا يكفي لبناء رواية أو سردية سياسية داخلية قوية.
*الخليج أمام لحظة إعادة التموضع*
ربما تكون دول الخليج هي الطرف الأكثر تعقيداً في هذه المعادلة. فهي من جهة تحتاج إلى الاستقرار. واقتصادات الخليج لا تستطيع تحمل إغلاق طويل لمضيق هرمز أو اضطراب دائم في أسواق الطاقة. لكنها من جهة أخرى كانت تأمل أن تؤدي الحرب إلى تقليص النفوذ الإيراني بصورة جذرية.
اليوم يبدو أن السيناريو الأقرب هو بقاء إيران مع تقييد جزئي لقدراتها. وهذا يفرض على دول الخليج إعادة صياغة استراتيجيتها. فبدلاً من انتظار حسم أمريكي للمسألة الإيرانية، أصبحت مضطرة للتعامل مع واقع جديد يقوم على: استمرار المظلة الأمريكية، والانفتاح الحذر على إيران، وتطوير قدرات دفاعية مستقلة، وتنويع الشراكات العسكرية مع أوروبا وآسيا. بمعنى آخر، الخليج يتجه نحو استراتيجية التحوط بدلاً من الاعتماد الكامل على واشنطن.
*لماذا إسرائيل الخاسر الاستراتيجي الأكبر؟*
لأن إسرائيل قد تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية. ربما نجحت في إلحاق ضرر كبير بإيران.
لكنها فشلت في تحقيق النتيجة السياسية التي بررت الحرب أساساً. فالتهديد الذي تعتبره وجودياً لم يختفِ، بل ربما انتقل إلى مرحلة جديدة. وإيران الجريحة قد تكون أقل قدرة على المواجهة اليوم، لكنها ستكون أكثر حرصاً على إعادة بناء عناصر القوة التي أثبتت الحرب أهميتها. وفي هذه الحالة تتحول الحرب من مشروع إنهاء التهديد إلى مشروع تأجيله. وهذا ليس ما كانت تطمح إليه تل أبيب.
*من الحسم إلى الاحتواء*
النتيجة الكبرى للحرب قد لا تكون عسكرية أصلاً. بل انتقال الاستراتيجية الأمريكية من مفهوم الحسم إلى مفهوم الاحتواء، والحسم يعني إزالة الخصم، أما الاحتواء فيعني إدارة الخصم. وهذا التحول يمثل اعترافاً ضمنياً بأن إسقاط إيران أو إخراجها من معادلات المنطقة أصبح هدفاً مكلفاً وغير مضمون النتائج. لذلك تتجه واشنطن إلى خيار أكثر واقعية: إبقاء إيران داخل النظام الإقليمي ولكن ضمن قواعد جديدة وحدود حركة محددة.
*من ربح الحرب فعلاً؟*
إذا انتهت الحرب بتفاهم سياسي يضمن بقاء النظام الإيراني، ويفتح باب المفاوضات، ويؤجل أو يقيد المشروع النووي، ويرفع جزءاً من العقوبات، ويعيد فتح هرمز، فإن الصورة النهائية ستكون أكثر تعقيداً من ثنائية المنتصر والمهزوم. إيران لن تكون منتصرة عسكرياً، ولكنها قد تكون نجحت في تجنب الهزيمة الاستراتيجية. وترامب لن يكون منتصراً عسكرياً بصورة حاسمة، ولكنه قد يحقق نصراً سياسياً وانتخابياً.
أما الخليج سيكسب الاستقرار لكنه سيواجه واقع التعايش مع إيران. أما إسرائيل فقد تكون الدولة الأكثر قلقاً لأنها ستجد نفسها أمام خصم أضعف من السابق لكنه ما زال موجوداً، وما زال قادراً على العودة. ولهذا فإن الوصف الأدق لما جرى ليس انتصاراً ولا هزيمة، بل انتقالاً من مرحلة الحرب إلى مرحلة الاحتواء.

اترك رد