«رجل الظل وربع الساعة الأخير» كيف أعاد “اغتيال دقدوق” خلط أوراق الشرق الأوسط؟ الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي….

التقرير الاستراتيجي (12) : «رجل الظل»

14 حزيران / يونيو 2026

1️⃣ المشهد الافتتاحي:

شهدت الساعات الماضية تحولاً دراماتيكياً في مشهد الشرق الأوسط، حيث تداخلت الحسابات العسكرية المعقدة مع قمم الدبلوماسية الدولية في لحظة حرجة. في الوقت الذي كانت تستعد فيه واشنطن وطهران لتوقيع معاهدة تفاهم تاريخية تُنهي التصعيد الإقليمي وتضمن أمن الممرات المائية، نفذت إسرائيل غارة جوية في عمق بيروت أسفرت عن اغتيال القيادي التاريخي في حزب الله، “علي موسى دقدوق”.

هذا الحدث، الذي تزامن رمزياً مع العيد ميلاد الثمانين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أثار غضباً غير مسبوق في البيت الأبيض، تجسد في توبيخ علني وحاد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاتهامه بمحاولة “تخريب” أضخم إنجاز دبلوماسي للإدارة الأمريكية الجديدة في ربع الساعة الأخير.

2️⃣ الأهمية الاستراتيجية للهدف

 (لماذا علي موسى دقدوق؟)

لم يكن “علي موسى دقدوق “(المعروف حركياً بـ “أبي حسين”) قائداً ميدانياً تقليدياً، بل كان يمثل “العقل الارتكازي” لتمدد النفوذ الإيراني المسلح خارج حدود لبنان. وتؤكد الصورة التاريخية التي نشرتها وكالة “تسنيم” الإيرانية والتي تجمعه بقائد فيلق القدس الراحل ” قاسم سليماني” على مدى عمق ومحورية دوره في الدائرة الأمنية اللصيقة والضيقة لطهران. ويمتد تاريخه الأمني والعملياتي لأكثر من أربعة عقود، متميزاً بالقدرة على التسلل وبناء المنظومات الأمنية الموازية.

◾️تأسيس “المجموعات الخاصة” في العراق (2005-2007): عقب الغزو الأمريكي للعراق، تم تكليف دقدوق(“مهندس الوحدة 4400” والعمليات الخارجية) مباشرة من قيادة فيلق القدس وحزب الله بالانتقال إلى الأراضي العراقية. نجح هناك في تأسيس وقيادة ما عُرف بـ “المجموعات الخاصة”. وتولى الإشراف على تدريب هذه الكوادر داخل معسكرات خاصة في إيران على فنون حرب العصابات، والعمليات الاستخباراتية، وصناعة وزرع العبوات الخارقة للدروع التي أوقعت مئات القتلى في صفوف الجيش الأمريكي. غيابه يعني قطع حلقة الوصل التاريخية والعملياتية الأخطر بين قيادة حزب الله في لبنان وفصائل الحشد الشعبي والمقاومة الإسلامية في العراق.

◾️التخطيط لعملية مركز كربلاء (2007): تُصنف واشنطن دقدوق بأنه العقل المدبر وموجه الأمر لعملية اقتحام “مركز التنسيق المشترك” في محافظة كربلاء بتاريخ 20 يناير 2007 . في تلك العملية، تخفت مجموعة مسلحة بزي عسكري أمريكي واستخدمت سيارات دفع رباعي شبيهة بسيارات الدبلوماسيين، وتمكنت من اختراق المركز، واختطاف وتصفية 5 جنود أمريكيين في واحدة من أجرأ العمليات ضدهم في العراق .

◾️صدمة الاعتقال واللغز القضائي (2007-2012): اعتقلته القوات الخاصة الأمريكية في البصرة في مارس 2007. وخلال التحقيقات، تظاهر دقدوق بأنه أخرس لأسابيع لحماية شبكته الأمنية. ورغم الضغوط الأمريكية لإبقائه محتجزاً، اضطرت واشنطن لتسليمه للسلطات العراقية عام 2011 قبل انسحابها، ليطلق القضاء العراقي سراحه في 2012 لـ “نقص الأدلة”، في صفقة سياسية أثارت غضب البنتاغون وأدت لإدراجه كـ “إرهابي عالمي متطور”.

◾️هندسة “ملف الجولان” في سوريا: بعد عودته إلى لبنان، أوكلت إليه قيادة الاستخبارات العسكرية في حزب الله تأسيس “ملف الجولان”(الجيش السري للحزب في جنوب سوريا). تركزت مهمته السرية في اختراق القرى الحدودية في الجنوب السوري وتجنيد عناصر محلية سورية وتدريبهم على رصد التحركات الإسرائيلية وزرع حقول الألغام والصواريخ، لتجهيز الجبهة السورية كخط مواجهة مكمل لجنوب لبنان عند اندلاع أي حرب شاملة. وكان يشرف على بناء بنية تحتية هجومية ممتدة على طول شريط الاستهداف المباشر مع إسرائيل. تصفيته اليوم شل “جبهة الجولان” والجيش السري للحزب في جنوب سوريا ومثل ضربة قاصمة لخطوط الإمداد والتنسيق اللوجستي السوري-اللبناني.

◾️استهداف الذاكرة المؤسسية والتنفيذية: دقدوق يمثل مخزوناً هائلاً من الخبرة الميدانية التي زاوجت بين قتال الجيوش النظامية (الأمريكية والإسرائيلية) وحرب العصابات وحروب الوكالة، وخسارته تترك فراغاً قيادياً تكتيكياً يصعب ملؤه على المدى القريب.

3️⃣ من هو رجل الظل؟

السيرة الأمنية والعملياتية لعلي موسى دقدوق

لعِب علي موسى دقدوق دوراً محورياً كحلقة وصل استراتيجية بين قيادة حزب الله في لبنان وفيلق القدس الإيراني، وكان تلميذاً مقرباً لعماد مغنية وشريكاً ميدانياً لقاسم سليماني في تأسيس وتوجيه الفصائل المسلحة في المنطقة.

1. أبرز خفايا وكواليس هذه العلاقات:

◾️تلميذ عماد مغنية: تدرج دقدوق في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تحت الإشراف المباشر للمسؤول العسكري الأول لحزب الله، عماد مغنية. من مغنية، اكتسب دقدوق خبرات “حرب الشوارع” التكتيكية وصناعة العبوات الارتجالية المتطورة، وهي الخبرات التي نقلها لاحقاً إلى الساحات الخارجية.

◾️اللقاءات المباشرة مع قاسم سليماني: في مايو 2006، تم إرسال دقدوق إلى إيران لترتيب الهيكل التنظيمي للميليشيات العراقية. وخلال تلك الفترة، كان على اتصال مباشر وتنسيق مستمر مع قائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائبه عبد الرضا شهلائي. وضع سليماني ودقدوق معاً اللبنات الأولى للفصائل العراقية مثل “عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله”.

◾️استنساخ “نموذج حزب الله” في العراق: كان سليماني يطمح إلى تكرار تجربة حزب الله اللبناني عسكرياً وتنظيمياً في العراق وضمه لـ “محور المقاومة”. واختار سليماني دقدوق تحديداً ليكون المهندس الميداني والمشرف على تدريب المجموعات العراقية الخاصة في معسكرات إيران والعراق.

◾️كواليس التحقيقات الأمريكية: عند اعتقاله من قبل القوات الأمريكية عام 2007، عُثر بحوزته على وثائق ومذكرات تفصيلية تكشف حجم التنسيق السري والتمويل المالي واللوجيستي المباشر الذي كان يقوده سليماني لإدارة العمليات ضد القوات المشتركة في العراق.

هذه الشبكة من العلاقات جعلت من دقدوق أحد الصناديق السوداء الهامة للنفوذ الإيراني في المنطقة حتى إعلان مقتله.

2. أهم ملامحه ومناصبه داخل البنية السرية والعلنية:

علي موسى دقدوق من أخطر العقول العملياتية في حزب الله، وتعود أهميته الاستثنائية إلى ارتباطه المباشر بالقيادة العليا وثقة الأمين العام السابق حسن نصر الله به. تدرج دقدوق في “الجيش السري” (الوحدات الخاصة والأمنية المغلقة) ممسكاً بمفاصل حساسة جعلت منه حلقة الوصل الأخطر بين لبنان، العراق، وإيران.

ملامح أهميته ومناصبه داخل البنية السرية والعلنية:

◾️قائد الوحدة الخاصة (القسم 2800): تولى قيادة هذه الوحدة التي تُعرف بكونها نواة العمليات السرية والخاصة للحزب في لبنان وخارجه.

◾️قائد فريق حماية حسن نصر الله: اختير شخصياً لإدارة وتنسيق أمن الأمانة العامة والأمين العام السابق، وهو منصب لا يُمنح إلا لأكثر الشخصيات موثوقية وكفاءة أمنية.

◾️مسؤول وحدة المشاة في حزب الله: قاد الهيكل الأساسي للقوات البرية والتكتيكية، مما منحه نفوذاً واسعاً على المقاتلين على الأرض.

◾️قيادي في قوة الرضوان: شارك في قيادة “قوة الرضوان” (قوات النخبة في حزب الله)، المعنية بالعمليات الهجومية والاقتحامات المعقدة.

◾️مؤسس ميليشيات العراق: أرسله الحزب بتكليف مباشر لتطبيق نموذج “حزب الله” في العراق، حيث تولى تدريب وتأسيس مجموعات بارزة مثل عصائب أهل الحق وتنفيذ هجمات نوعية ضد القوات الأمريكية.

◾️قائد قسم العمليات في وحدة “نصر”: أشرف على التخطيط العملياتي في الجبهة الجنوبية الحيوية.

◾️قائد “ملف الجولان”: أسس الشبكة السرية على الحدود السورية-الإسرائيلية لبناء بنية تحتية عسكرية هجومية هناك.

إن دمج دقدوق بين المهام الأمنية اللصيقة

بالقيادة، وإدارة قوات النخبة (الرضوان والمشاة)، والمهام الإقليمية العابرة للحدود، جعل منه صيداً استراتيجياً ثميناً للجيش الإسرائيلي وأحد أكبر الضربات لبنيته العسكرية السرية.

4️⃣ كواليس نجاته وتخفيه طيلة هذه الفترة

طوال مسيرته، عُرف دقدوق بأنه “رجل بلا ظل”. نجح في الاختباء من المخابرات الأمريكية والبريطانية لسنوات ، حتى عندما اعتُقل عام 2007، قضى أياماً يدعي أنه مواطن عراقي أصم وأبكم (يُدعى ساجد محمد ساجد) ولم ينطق بكلمة حتى كشفته بصمات العين وال DNA.

◾️إستراتيجية “الجيش السري”: أدار دقدوق ما يُعرف بـ “الجيش السري”، وهي خلايا معزولة تماماً تنظيمياً عن الجسد العلني لحزب الله، وترتبط مباشرة بالقيادة العليا. هذا الفصل اللوجيستي حماه من الخروقات الأمنيّة التقليدية.

◾️البراعة الأمنية العالية: عُرف بـ “الرجل الصامت”؛ نجح في الاختباء من المخابرات الأمريكية والبريطانية لسنوات، فعندما اعتقلته القوات الأمريكية عام 2007، ، قضى أياماً يدعي أنه مواطن عراقي أصم وأبكم.

◾️التنقل الإقليمي المستمر: بعد الإفراج عنه من السجون العراقية عام 2012، اختفى كلياً عن الأنظار وعاش متنقلاً بأسماء مزورة بين إيران، سوريا، وضواحي بيروت، مما جعل رصده يتطلب جهداً استخبارياً معقداً.

◾️العمل في مناطق رمادية: تركز نشاطه الأخير في تأسيس “ملف الجولان” جنوب سوريا، معتمداً على تجنيد عناصر محليين سوريين وعراقيين، مما جعله يدير العمليات عن بُعد دون الحاجة للظهور ميدانياً في الخطوط الأمامية المكشوفة.

5️⃣ الحيثيات الاستخبارية والتكتيكية للعملية

اختراق المربع الأمني..

كيف وصلت اسرائيل إلى رجل الظل؟

لا تقل أهمية الطريقة التي اغتيل بها علي موسى دقدوق عن أهمية الشخصية نفسها. فالرجل أمضى سنوات طويلة داخل أكثر الدوائر الأمنية انغلاقاً وسرية في حزب الله، وعُرف عنه التزامه الصارم بإجراءات الحماية والتمويه والعمل بعيداً عن الأضواء. ولذلك فإن نجاح إسرائيل في تحديد موقعه واستهدافه داخل الضاحية الجنوبية لبيروت يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الاختراقات الاستخبارية التي سبقت العملية.

فالضاحية الجنوبية لا تُعد مجرد منطقة جغرافية عادية، بل تمثل منذ سنوات طويلة أحد أكثر البيئات الأمنية تحصيناً في المنطقة، وتخضع لشبكات مراقبة وإجراءات أمنية معقدة صُممت لحماية القيادات والكوادر الحساسة. ومن ثم فإن الوصول إلى هدف بحجم دقدوق داخل هذه البيئة يشير إلى امتلاك معلومات دقيقة ومحدثة تتجاوز الرصد التقليدي إلى مستويات متقدمة من العمل الاستخباري البشري والتقني..وتاتي:

◾️خرق المربع الأمني الحصين: تنفيذ العملية في الضاحية الجنوبية يُثبت أن الاختراق الاستخباري الإسرائيلي قد بلغ ذروته الفائقة، حيث نجحت تكنولوجيا الرصد البشري والإلكتروني في تتبع قائد محاط بأعلى درجات السرية والتمويه الأمني، وتصفيته في بقعة كان يُعتقد أنها ملاذه الأكثر أماناً.

◾️توقيت التصفية (ضربة اللحظة الأخيرة): جاء الاغتيال متزامناً مع غارات عنيفة وتصعيد أمني غير مسبوق، مما يشير إلى أن إسرائيل كانت تبحث عن “صورة نصر استراتيجي” مدوية تعوض بها إخفاقاتها الميدانية، وترفع من خلالها سقف مكتسباتها الأمنية لتدخل أي مفاوضات مستقبيلة من موضع قوة وإملاء للشروط.

6️⃣ توقيت الصدمة: عيد ميلاد ترامب الثمانون ومصيدة “ربع الساعة الأخير”

جاء التوقيت الإسرائيلي للعملية العسكرية ليمثل تحدياً مباشراً وصدمة للإدارة الأمريكية على مستويين:

◾️الرمزية السياسية والشخصية: يوافق اليوم العيد ميلاد الثمانين للرئيس دونالد ترامب، وكان يطمح أن يكون هذا اليوم هو لحظة إعلان “الصفقة الكبرى” وصياغة إرثه السياسي كصانع للسلام العالمي من خلال توقيع معاهدة التفاهم الإلكترونية مع إيران لإنهاء حرب الممرات المائية والتصعيد الإقليمي.

◾️إحراج الحليف الأكبر: تنفيذ الغارة واغتيال دقدوق في بيروت قبل ساعة واحدة فقط من الموعد المحدد للتوقيع وافتتاح مضيق هرمز، اعتبره البيت الأبيض طعنة في الظهر ومحاولة إسرائيلية متعمدة لجر المنطقة إلى جولة تصعيد جديدة تُجبر واشنطن على العودة للمربع الأمني الأول وتفجير الاتفاق السياسي.

7️⃣ توبيخ نتنياهو

والشرخ الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب

أحدثت الغارة هزة عنيفة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، تمثلت في رد فعل علني وعنيف من الرئيس ترامب:

◾️اتهام بالافتقار للحكمة: وبّخ ترامب نتنياهو علناً عبر منصات التواصل الاجتماعي، واصفاً سلوكه بـ “الافتقار التام لحسن التقدير السياسي”، وموجهاً له اللوم المباشر في كسر التهدئة ومخالفة الرغبة الأمريكية الوجودية في تسوية ملفات الشرق الأوسط للتفرغ لملفات دولية وتحديات اقتصادية داخلية.

◾️نقل الضغط السياسي: لأول مرة منذ أشهر، نجحت المناورة الأمريكية الإيرانية في وضع إسرائيل بموقف “المعطل والمحرض” أمام المجتمع الدولي، مما خفف الضغط الأمني عن طهران وحول العبء الدبلوماسي كاملاً إلى تل أبيب المطالبة الآن بتقديم مبررات قاطعة أمام حليفها الغاضب.

8️⃣ السلوك الإيراني:

الصبر الاستراتيجي في مقابل المكاسب الكبرى

بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية الحالية، تجد إيران نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، لكن حسابات الربح والخسارة تدفعها نحو مسار عقلاني بارد:

◾️تجميد الرد العسكري الفوري: تدرك طهران أن أي رد صاروخي مباشر من أراضيها على إسرائيل خلال الساعات القادمة سينهي “الصفقة الكبرى” فوراً ويسحب الغطاء الدبلوماسي الذي وفره غضب ترامب ضد نتنياهو. لذلك، المرجح هو امتصاص الضربة مؤقتاً لضمان توقيع المعاهدة وتأمين رفع العقوبات الاقتصادية.

◾️تفويض “حزب الله” بالرد التكتيكي: للحفاظ على ماء الوجه وقواعد الاشتباك دون تفجير الاتفاق، قد تلجأ إيران لتفويض حزب الله اللبناني للقيام برد صاروخي محلي ومحدود يستهدف أهدافاً عسكرية إسرائيلية شمالاً، بحيث يبدو الرد “لبنانياً خالصاً” رداً على استباحة بيروت واغتيال كادر يقيم على أراضيها، مع إبقاء الخطوط الدبلوماسية بين طهران وواشنطن مفتوحة لإنهاء الاتفاق الإلكتروني.

9️⃣ التداعيات الفورية على الأرض وقواعد الاشتباك

◾️انهيار “الخطوط الحمراء” الحاضنة للمفاوضات: باغتيال قائد بهذا الحجم في الضاحية، تكون إسرائيل قد داست على تفاهمات تحييد القادة الكبار، مما يدفع حزب الله مرغماً للرد بردود “صادمة وغير متوقعة” قد تشمل استهداف العمق الاستراتيجي ومراكز القرار الأمني والعسكري في تل أبيب لحفظ ماء الوجه وردع الاندفاعة الإسرائيلية.

◾️تأجيج جبهات الإسناد الإقليمية: نظراً لمكانة دقدوق العالية لدى الفصائل العراقية واليمنية، فإن عملية اغتياله ستحفز “محور المقاومة” بأكمله على شن هجمات انتقامية منسقة وواسعة النطاق (عبر الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية الغزيرة)، لبيان أن اغتيال الأفراد لا يوقف الآلة العسكرية للمحور.

🔟 خاتمة استراتيجية: سقوط “مهندس الظل” وتحولات “محور المقاومة”

لا يمثل اغتيال علي موسى دقدوق مجرد تصفية لقائد ميداني بارز في حزب الله، بل هو تقويض لواحد من أهم أركان “الهندسة العابرة للحدود” التي بناها الحرس الثوري الإيراني على مدى عقدين من الزمن. تكمن القيمة الاستراتيجية الثقيلة لغيابه في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. قطع “حلقة الوصل الجيوسياسية”

كان دقدوق يمثل التجسيد الحي لـ “وحدة الساحات”؛ فهو شخصية نادرة تمتلك نفوذاً شرعياً وعملياتياً في ثلاثة مسارح حيوية (لبنان، العراق، وسوريا). غيابه يترك فراغاً كبيراً في التنسيق البيني، لاسيما في وقت يحاول فيه الحزب إعادة ربط خطوط الإمداد اللوجستي وتوحيد لغة الخطاب الميداني بين الفصائل العراقية والسورية والنواة الصلبة في لبنان.

2. انكشاف “الجيش السري” واستنزاف العقول

منذ تأسيس حزب الله، كانت عقيدته الأمنية تعتمد على فصل “الجسم العلني” عن “الجيش السري” (وحدات العمليات الخاصة والأمن الخارجي). وصول الاستخبارات الإسرائيلية إلى دقدوق – بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت الصف الأول – يثبت أن “العمق الأمني المظلم” للحزب بات مكشوفاً بالكامل، مما يضع قيادة الحزب المتبقية في حالة ارتياب دائم ويعطل ديناميكية اتخاذ القرار السري.

3. تجميد “جبهة الجولان” التكتيكية

بصفته قائد “ملف الجولان”، قضى دقدوق سنوات في محاولة استنساخ نموذج جنوب لبنان على الحدود السورية-الإسرائيلية. هذا الغياب يشكل ضربة قاضية لخطط إيران في تحويل الجولان إلى جبهة استنزاف صاروخية وبرية نشطة، حيث سيتعين على الحزب البحث عن قائد يتمتع بنفس الكاريزما الأجنبية والخبرة التدريبية المقبولة لدى السوريين والعراقيين معاً، وهو أمر بالغ الصعوبة في الظروف الراهنة.

خلاصة القول:

برحيل دقدوق، يفقد حزب الله “مستودعاً متحركاً للخبرات التكتيكية”. وإذا كانت الحركات الأيديولوجية قادرة على تعويض الأعداد، فإنها تعاني بشدة لتعويض “المهندسين الاستراتيجيين” الذين عاصروا التأسيس، وأداروا الحروب الإقليمية، وامتلكوا ثقة القيادة العليا المطلقة. إنها مرحلة انتقال الحزب من الهجوم الإقليمي المنظم إلى الدفاع اللامركزي عن البقاء.

اترك رد