يوم 8 /8 والفرح لآخر مرة! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
ذلك اليوم البعيد، انفجر الفرح في الشوارع والبيوت، وختم على قيظ آب اللاهب بمطرٍ من الماء يهطل من الشرفات وسطوح المنازل، ومن كل مترٍ في شوارع بغداد.
كان الأمر أشبه بقرارٍ جماعي لغسل الحزن المتراكم منذ ثماني سنوات، وفرك العيون كي تغيب عنها، مشاهد الجنائز، وأقمشة السواد التي تغطي الجدران، وتعليقات التعازي والمراثي.
انتقل الفرح إلى البنادق، فأطلقت ملايين العياراتٍ في الهواء، بعد أن ضاقت به هلاهل النساء، ونشيج الرجال، وصراخ الشباب والصبايا، الصراخ أحياناً، يمتثل للفرح المجنون ويصعد به نحو النشوة، كأن الجميع يريد أن يصدق أن الحرب انتهت فعلاً، وأن الموت ترك أبواب البيوت أخيراً.
حربٌ طويلة، خاضها نظامان بائسان، بغباءٍ سياسي مفرط، ونزعةٍ مشحونة بالانتقام وكسر إرادة الآخر. بدأت بأسباب تافهة وثانوية، وانتهت بعد أن تجرّع أحدهم كأس السم، بحثاً عن مخرجٍ من هزيمةٍ لم يعد ممكناً تجنبها.
كانت عبوات الماء تُرشَق من نوافذ السيارات، وصبيانٌ يمسكون بخراطيم المياه ويرشون المارة كأنهم يريدون أن يغسلوا عن أجسادهم سنوات الحرب وذكرياتها !
رذاذات الماء تسحبك فجأةً من ذكريات بنجوين، ونهر جاسم، والفاو، والجبهات والخنادق، إلى موسم فرحٍ مباغت.
توقفت الحرب المجنونة، السافلة، التي أكلت أعمار جيل كامل.
لا موت بعد اليوم في جبل ماوت، ولا في الجبهات، ولا بين الخنادق والجبال، ولا شرق البصرة.
هدأت المدافع، واندفع الناس نحو الشوارع، كإعصارٍ بشري يريد أن يحمل الجميع إلى حياةٍ أخرى!
فرحٌ حاول أن يجفف دموع الثكالى والأرامل، “الحمد لله.. لنحافظ على ما تبقى من الشباب الحلوين” ، هكذا كانت تردد الأمهات، ويردد الرجال معهم، وكأنهم كانوا يعرفون في أعماقهم أن هذا الفرح قد يكون آخر ما تبقى لهم.
كان الشعب العراقي يومها مختلفاً عما هو عليه اليوم، كان يشبه نفسه أكثر، بعاداته، ودفء علاقاته، وبساطته، ولطفه، وروحه التي لم تكن قد أنهكتها السنوات بعد.
ثم جاءت الحرب الأخرى.. الكويت لعنة أخرى ضربت العراق في عمقه! @@ثم سقط الوطن تحت براثن الحصار.
ثلاثة عشر عاماً من الجوع والفقر والفاقة، ومن الانتظار الذي لا نهاية له، سنواتٌ طحنَت الناس، ودفعتهم إلى الهجرة من مدنهم الأليفة نحو بلدان الاغتراب واللجوء، أو البحث عن العمل في دول الجوار. وكان الأردن، يومها، عوناً إنسانياً لا يُنسى.
ثلاثة عشر عاماً من الحصار استنزفت العاطفة والقيم، وأهدرت شيئاً عميقاً من كرامة العراقيين، ثم جاءت أسراب الجراد الأصفر، واندفعت نحو البلاد أصناف الأفاعي، حتى جاءت الضربة القاضية التي لا تعوَّض.
لقد خسرنا، شيئاً فشيئاً، الشعب العراقي الذي عرفناه في السبعينيات والثمانينيات.
بقيت المدن بأسمائها، وبقيت الشوارع والأحياء والبيوت، لكن شيئاً من الروح قد غاب.
انهالت الدولارات لتسعف الجوع القديم، وجاءت معها عناوين ووجوه وأشياء كانت ممنوعة في الحقبة الصدامية ـ البعثية السافلة. نعم، توفر كل شيء تقريباً، لكن شيئاً أهم كان قد اختفى: ذلك الشعب القديم بعاداته، وبساطته، ولطفه، ونقاء قلوبه، وترانيم الحب والصدق والبراءة.
سنوات الحروب والحصار، سنوات الجمر والضياع، انتهت بنا إلى كائناتٍ أخرى، وإلى مجتمعٍ فقد شيئاً من روحه، وصار يُعرَّف سياسياً باسم «المكونات»، بعدما كان يُعرَف قبل ذلك باسم العراق.
تلك هي رحلة العراق في أربعين عاماً من البؤس والموت والانكسارات، رحلةٌ بدأت بحرب، ثم حصار، ثم احتلال، ثم فوضى، وما زالت نهاياتها المفتوحة تهدد ما تبقى من الوطن.
لهذا، حين أتذكر 8/8، لا أتذكر الفرح وحده، بل أتذكره بحزنٍ عميق، لأنه كان، ربما، آخر فرحٍ عراقي جماعي عرفناه جميعاً قبل أن تبدأ رحلة أخرى من الانكسار.
في 8/8، فرح العراقيون جميعاً.. ولآخر مرة!

اترك رد