القرآن ليس ملكًا لأحد…رانية مرجية

منبر العراق الحر :

القرآن ليس ملكًا لأحد

في الإنسان والمحبة والسلام… وفي الذين يختبئون خلف الله

بقلم: رانية مرجية

ثمة فرقٌ شاسع بين الدين حين يكون نورًا، وبين الدين حين يتحول إلى ظلٍّ لرغبات البشر.

فالنور يكشف الطريق.

أما الظل فيخفي الحقيقة.

ومنذ أن بدأ الإنسان يرفع عينيه إلى السماء بحثًا عن معنى لوجوده، كان الدين أحد أجمل ما أُعطي له؛ نافذة يطل منها على الرحمة، وعلى العدل، وعلى ذلك اليقين العميق بأن للحياة قيمة تتجاوز المصالح العابرة والأهواء المؤقتة. لكن المأساة لم تكن يومًا في الرسالات، بل في أولئك الذين حاولوا امتلاكها، وكأن الله منحهم وكالة حصرية باسمه، أو سلطة مطلقة على ضمائر البشر.

لقد نزل القرآن في عالمٍ ممزق بالعصبيات، تحكمه القبائل، وتؤججه الأحقاد، ويُقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما هو عليه. فجاء ليقلب الموازين كلها.

لم يبدأ بتأسيس إمبراطورية.

ولم يبدأ بتقسيم الناس إلى معسكرات.

ولم يبدأ بإعلان حرب على المختلفين.

بدأ بكلمة واحدة:

اقرأ.

وكأن أول ما احتاجته البشرية لم يكن السيف، بل الوعي.

ولم يكن الانتصار على الآخرين، بل الانتصار على الجهل.

وفي هذه الكلمة الأولى تكمن فلسفة كاملة. فالقارئ لا يخاف المعرفة، ولا يخشى الأسئلة، ولا يرى في الاختلاف خطرًا. أما الجاهل، فهو وحده الذي يرتعب من الحرية، ويبحث دائمًا عن عدو يحمّله مسؤولية فشله وخوفه وضياعه.

ولهذا لم يرَ القرآن في التنوع مشكلة تحتاج إلى حل، بل حقيقة تستحق الاحترام.

قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾

إنها من أكثر الآيات ثورية في التاريخ الإنساني.

ففي زمن كانت فيه الهويات سببًا للصراع، جعلها القرآن سببًا للتعارف.

وفي زمن كان الاختلاف مدعاةً للهيمنة، جعله فرصةً للاكتشاف.

وكأن الله يقول للبشرية كلها: إن الآخر ليس تهديدًا لكم، بل فرصة لتعرفوا أنفسكم من خلاله.

فالإنسان لا يكتمل داخل المرآة، بل يكتمل حين يرى العالم من زوايا متعددة.

لكن البشر، للأسف، يملكون قدرة غريبة على تشويه أجمل الأشياء.

ولهذا ظهر في كل عصر أولئك الذين أدركوا أن الطريق إلى السلطة قد يمر أحيانًا عبر المقدس.

فاستخدموا الدين لا ليقربوا الناس من الله، بل ليقربوا الناس منهم.

وجعلوا من الخوف عقيدة.

ومن الطاعة العمياء فضيلة.

ومن الاختلاف جريمة.

ومن السؤال خطيئة.

إنهم لا يسرقون الدين فقط.

بل يسرقون الإنسان أيضًا.

يسرقون حقه في التفكير.

وحقه في الشك.

وحقه في البحث.

وحقه في أن يكون إنسانًا حرًا أمام خالقه.

ولعل أخطر ما في المتاجرة بالدين أنها لا تقتل الحقيقة دفعة واحدة، بل تستبدلها تدريجيًا بشيء يشبهها من الخارج ويخالفها من الداخل.

فيبقى الاسم نفسه.

وتبقى الشعارات نفسها.

لكن الروح تختفي.

تمامًا كما يبقى الجسد بعد أن تغادره الحياة.

كم من حرب أشعلها الطامعون باسم الله بينما كان الله بريئًا منها.

وكم من إنسان أُهين باسم الدين بينما كان الدين جاء أصلاً ليصون كرامته.

وكم من قلب امتلأ خوفًا من الخالق بسبب أولئك الذين تحدثوا باسمه أكثر مما استمعوا إليه.

إن القرآن الذي وصف الله فيه نفسه بالرحمن والرحيم مئات المرات، لا يمكن أن يكون مشروع كراهية.

والكتاب الذي جعل العدل قيمة مطلقة لا يمكن أن يكون أداة ظلم.

والرسالة التي خاطبت الناس جميعًا لا يمكن أن تتحول إلى ملكية خاصة لجماعة أو حزب أو طائفة أو زعيم.

فالقرآن أكبر من الجميع.

وأوسع من الجميع.

وأبقى من الجميع.

وحين نتأمل حياة الأمم ندرك أن الحضارات لا تسقط بسبب قلة المتدينين، بل بسبب قلة الأخلاق.

فكم من مجتمع امتلأت شوارعه بالشعارات الدينية بينما غابت عنه الرحمة.

وكم من لسان أكثر من ذكر الله بينما عجز عن احترام خلق الله.

لقد فهم القرآن هذه الحقيقة مبكرًا، ولذلك لم يجعل معيار التفاضل بين البشر القوة ولا الثروة ولا الانتماء.

بل جعلها التقوى.

والتقوى في جوهرها ليست مظهرًا خارجيًا.

إنها ذلك الصوت الخافت الذي يمنع الإنسان من ظلم من يستطيع ظلمه.

ويمنعه من إهانة من يختلف عنه.

ويمنعه من استغلال المقدس لتحقيق مكاسب دنيوية.

إنها انتصار الضمير على المصلحة.

وانتصار الحقيقة على المنفعة.

وانتصار الإنسان على أسوأ ما في نفسه.

لهذا كان أعظم وصف للنبي محمد صلى الله عليه وسلم:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

لم تقل الآية: إنك على سلطة عظيمة.

ولا على ثروة عظيمة.

ولا على نفوذ عظيم.

بل على خلق عظيم.

وكأن السماء كلها أرادت أن تضع معيارًا نهائيًا للعظمة الإنسانية.

فالعظمة ليست أن يهابك الناس.

بل أن يشعروا بالأمان قربك.

وليست أن تنتصر في كل معركة.

بل أن تظل إنسانًا رغم كل المعارك.

أما السلام، فهو ذروة الرسالة كلها.

ليس مجرد غياب للحرب.

بل حضور للرحمة.

وحضور للعدل.

وحضور للاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية.

فالسلام الحقيقي لا يبدأ عند الحدود.

بل يبدأ داخل القلب.

حين يتصالح الإنسان مع إنسانيته أولًا.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تصرخ باسم الله.

بل إلى مزيد من القلوب التي تعكس صفات الله.

لا يحتاج إلى مزيد من الحراس على أبواب العقائد.

بل إلى مزيد من البنّائين لجسور المحبة.

لا يحتاج إلى من يحددون من يستحق الرحمة ومن لا يستحقها.

بل إلى من يدركون أن الرحمة كانت دائمًا أوسع من أحكام البشر.

وربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبناه أننا انشغلنا كثيرًا بالسؤال: من منا يملك الحقيقة؟

بينما كان السؤال الأجدر هو:

من منا يملك قلبًا يتسع للحقيقة؟

فالحقيقة لا تسكن في العقول المغلقة.

ولا في النفوس المتعصبة.

ولا في الذين يجعلون من الله سلاحًا في معاركهم الصغيرة.

إنها تسكن حيث يوجد التواضع.

وحيث توجد الرحمة.

وحيث يبقى الإنسان قادرًا على رؤية أخيه الإنسان قبل أن يرى اختلافه عنه.

وربما لم ينزل القرآن ليصنع منا حراسًا على أبواب الجنة.

بل شهودًا على كرامة الإنسان.

وربما لم يطلب منا أن نفتش في قلوب الناس.

بل أن ننظف قلوبنا نحن.

فالله الذي خلق هذا التنوع المدهش في الوجوه والألسنة والأحلام، لم يكن يريد للعالم أن يتحول إلى نسخة واحدة من البشر، بل إلى مائدة واسعة يتسع فيها المقعد للجميع.

وحين يقف الإنسان يومًا أمام خالقه، قد لا يُسأل كم مرة انتصر على المختلف عنه، بل كم مرة انتصر على قسوته، وعلى غروره، وعلى رغبته في احتكار الحقيقة.

عندها فقط سندرك أن أعظم ما في الدين لم يكن السلطة التي منحها لبعض الناس، بل الرحمة التي طلبها من كل الناس.

وأن أقصر الطرق إلى الله لم يمر يومًا عبر الكراهية…

بل عبر الإنسان.

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد