محرّم .. حين تُمتحَنُ الضمائر قبل أن تُرفَعَ رايات العزاء…. حسين نعمة الكرعاوي

منبر العراق الحر :

ليس محرّم موسماً للعاطفة العابرة، بل ميثاقٌ أخلاقيّ تُجدَّد فيه علاقة الإنسان بالحقيقة، ففيه لا تُستعاد واقعة الطف بوصفها حدثاً تاريخياً، وإنما تُستحضر باعتبارها ميزاناً تُوزن به المواقف، ومدرسةً يُصاغ فيها الوعي، ومنهجاً يُهذَّب به الضمير، إن قدسية هذا الشهر تنبع من كونه زمناً تتقدّم فيه البصيرة على البصر، والقيمة على المصلحة، والرسالة على الانفعال؛ ليغدو الحسين (عليه السلام) حضوراً في السلوك قبل أن يكون حضوراً في الذاكرة.

ومن وفاء الانتماء لهذه القدسية أن تتحول الشعائر إلى منظومةٍ من الانضباط والرقي، وأن تُترجم المحبة إلى أخلاقٍ تُرى في التعامل، واحترام النظام، وصيانة الحقوق، وحفظ الممتلكات العامة، وإغاثة المحتاج، وصون وحدة المجتمع، والارتقاء بخطاب المنبر والمواكب ليبقى منارةً للوعي والإصلاح، لا ساحةً للفوضى أو التنازع. فكل ممارسةٍ لا تُزهر قيمةً، تُفرغ الشعيرة من بعض مقاصدها، لأن جوهر النهضة الحسينية كان بناء الإنسان قبل استنهاض الجماهير.

إن الحسين (عليه السلام) لم يورّث الأمة طقساً يُؤدَّى، بل ضميراً يُستنهَض. لذلك فإن أعظم العزاء ليس ما تُردّده الألسن، بل ما تُشيّده الأخلاق في النفوس. وحين يصبح محرّم فرصةً لإعادة تهذيب الذات، ومراجعة المواقف، والانتصار على الأهواء قبل الخصوم، نكون قد اقتربنا من فلسفة كربلاء؛ حيث تُقاس قيمة الإنسان بما يحمل من حق، لا بما يرفع من شعار، وبما يُصلح من واقع، لا بما يُجيد من خطاب.

اترك رد