Screenshot

بين فيينا وواشنطن: هل تملك الولايات المتحدة ما تعد به إيران؟ بقلم : د. حسام وليد البدري

منبر العراق الحر :

في الأدبيات التقليدية للعلاقات الدولية تُقاس قيمة الاتفاقات بقدرتها على إنهاء النزاعات أو إعادة توزيع المصالح بين الأطراف المتنازعة. غير أن الاتفاق الجاري التفاوض حوله بين إدارة دونالد ترامب وإيران يطرح إشكالية أكثر تعقيداً وأبعد أثراً من تفاصيل البرنامج النووي أو حجم العقوبات أو الأموال المجمدة. فالسؤال الحقيقي الذي يتوارى خلف ضجيج العناوين السياسية لا يتعلق بما ستقدمه طهران أو بما ستمنحه واشنطن، بل بما إذا كانت واشنطن نفسها تملك قانونياً ما تعد بتقديمه.

فالمعضلة ليست نووية بقدر ما هي دستورية، وليست مرتبطة بطهران بقدر ارتباطها ببنية السلطة الأمريكية نفسها. فإيران لا تتفاوض اليوم مع “الولايات المتحدة” بوصفها كياناً قانونياً مجرداً، بل مع إدارة رئاسية محددة العمر السياسي، وهو فارق قد يحدد مصير الاتفاق أكثر من أي بند تقني يتعلق بالبرنامج النووي.

من منظور القانون الدولي، ووفق المادة الثانية من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، فإن طبيعة الاتفاق لا تحددها تسميته بل مضمونه. ولذلك فإن “مذكرة تفاهم” قد تكون في جوهرها اتفاقاً دولياً منتجاً للالتزامات. لكن المشكلة تبدأ عند الانتقال من القانون الدولي إلى الدستور الأمريكي. فالمادة السابعة والعشرون من اتفاقية فيينا تمنع الدول من التذرع بقوانينها الداخلية للتنصل من التزاماتها الدولية، غير أن القانون الدولي لا يستطيع أن يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات لا يملكها أصلاً داخل النظام الدستوري الأمريكي.

وهنا تظهر الثغرة التي تبدو حتى الآن أخطر من الملف النووي نفسه.

فالعقوبات الأمريكية على إيران ليست كتلة قانونية واحدة. بعضها فُرض بأوامر تنفيذية يستطيع الرئيس تعليقها أو إلغاؤها، لكن جزءاً واسعاً منها يستند إلى قوانين اتحادية أقرها الكونغرس. وفي هذه الحالة لا يملك البيت الأبيض سوى صلاحيات إعفاء أو تعليق مؤقت، بينما يتطلب الإلغاء الدائم تدخلاً تشريعياً مستقلاً. وبعبارة أكثر مباشرة، قد تستطيع الإدارة الأمريكية تخفيف العقوبات، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنهاء منظومتها القانونية بصورة نهائية.

ومن هنا لا تبدو أزمة الثقة الإيرانية سياسية بقدر ما هي مؤسسية. فطهران لا تنظر إلى انسحاب ترامب من اتفاق أوباما النووي عام 2018 باعتباره حادثة سياسية عابرة، بل باعتباره سابقة دستورية أثبتت أن ما تمنحه إدارة أمريكية تستطيع إدارة أخرى سحبه. ولذلك فإن السؤال الإيراني المركزي لم يعد: ماذا سيعطينا ترامب؟ بل: من يضمن أن لا يأتي رئيس أمريكي لاحق لنسف ما وقعه ترامب نفسه؟

ويزداد هذا الخلل وضوحاً عندما ننظر إلى أوراق القوة التي تدخل بها إيران إلى المفاوضات. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل أحد أهم الاختناقات الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي. وإعادة فتحه بصورة مستقرة أو التخلي عن استخدامه كورقة ضغط جيواقتصادية تمثل تنازلاً ذا طبيعة استراتيجية طويلة الأمد. أما المقابل الأمريكي، إذا اقتصر على تخفيف عقوبات قائم على صلاحيات تنفيذية قابلة للتراجع، فإنه يطرح سؤالاً صعباً حول توازن المقايضة بين ما هو دائم وما هو مؤقت.

والأهم أن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة إنهاء العزلة الاقتصادية. فحتى مع تخفيف العقوبات التنفيذية، تبقى منظومات قانونية وتنظيمية كاملة تحكم التحويلات المالية، والتكنولوجيا، والرقابة المصرفية، وتصنيفات المخاطر، والقيود المرتبطة بوزارة الخزانة الأمريكية. أي أن إيران قد تحصل على تخفيف للعقوبات دون أن تستعيد اندماجها الكامل في الاقتصاد العالمي.

لهذا قد لا يكون البند الأخطر في الاتفاق متعلقاً بالتخصيب أو العقوبات أو هرمز، بل بالسؤال الذي يختبئ خلفها جميعاً: هل تستطيع الولايات المتحدة إنتاج التزام يتجاوز عمر الإدارة التي توقعه؟ فلو كان ترامب قد أثبت عام 2018 أن رئيساً أمريكياً يستطيع إلغاء اتفاق أبرمه رئيس سابق، فما الذي يمنع رئيساً قادماً من إلغاء اتفاق ترامب ذاته؟

ذلك السؤال وحده قد يكون مفتاح فهم الاتفاق كله؛ لأن طهران لا تفاوض واشنطن على النووي فقط، بل تفاوضها على استمرارية الدولة الأمريكية نفسها. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو موضع القلق الحقيقي.

اترك رد