منبر العراق الحر :
لا أعرف متى يجب أن أعتاد غيابك.
ربما حين أرفع رأسي كلما اهتزّ هاتفي،
ثم أضحك من نفسي لأن الرسالة لم تكن منك.
أو حينما أتعلم أن أشاهد فيلمًا كاملًا وحدي،
وأؤجل التعليق الذي كنت سأرسله لك،
ثم أتذكر فجأةً أنه لا يوجد مكانٌ أرسله إليه.
حينها فقط… سأصبح ماهرةً بصورةٍ مُخزية.
أشتري حبتين من الخوخ،
ثم أعيد واحدةً إلى البائع.
أضع كوبين على الطاولة،
ثم أرفع أحدهما قبل أن يبرد الشاي.
أترك مساحةً إلى جواري في السرير،
كمن ينتظر قطارًا أُلغيت رحلته منذ سنوات،
وما زال يرفض مغادرة المحطة.
كنتُ أريد أشياء صغيرة فقط.
أن أسألك:
هل أغلقتَ الباب؟
أن أوقظك لأن المطر بدأ.
أن أسمعك تشتكي من الملح الزائد في الطعام،
ثم نتشاجر،
ثم نضحك،
ثم تنتهي الحرب بقبلةٍ كسولةٍ فوق جبيني.
لكن يبدو أن الله كتب لي حبًّا ناقصًا،
كالأغنيات التي ينقطع بثّها قبل النهاية،
و كالأطفال الذين ينامون وفي أيديهم لعبةٌ لم تكتمل.
لا أحد يعرف كم مرةً بكيتُ في الحمّام،
لأنني كنتُ أخجل من صوتي وهو ينهار.
ولا أحد يعرف أنني كنتُ أخرج من غرفتي بعد ذلك،
أعدّل شعري،
وأقول:
“الحمد لله.”
كأن شيئًا لم يمت للتو.
مرّت وجوهٌ كثيرة.
بعضها كان لطيفًا،
وبعضها أرادني حقًا،
وبعضها مدّ يده نحوي.
لكنني كنتُ أشعر بالخيانة.
ليس لهم… بل لك.
كأن قلبي،
ذلك الأحمق العتيق،
يرفض أن يستخرج جثتك من داخله.
والمضحك… أنني لم أكن أريد العالم.
كنتُ أريدك أنت.
أنت فقط.
ذلك الكائن العادي جدًا،
الذي ينسى أين وضع مفاتيحه،
ويشرب الماء واقفًا،
وينام قبل نهاية الفيلم،
ويقول الأشياء الخطأ في الأوقات الخطأ.
كنتُ أريد هذا الرجل تحديدًا.
ولهذا كانت الحياة قاسية.
لأنها لم تحرمني من الحب…
بل حرمتني من تفاصيله.
من قول:
“هل عدت؟”
ومن سماع:
“انتظريني، أنا في الطريق.”
ومن تلك الجملة البسيطة التي يقولها الناس كل يوم،
ولا يعرفون أنها نعمة تستحق السجود:
“ماذا نأكل اليوم؟”
أتعرف ما يؤلمني بعد كل هذه السنوات؟
ليس أنك رحلت.
بل أنني ما زلتُ…
حين أشتري فرشاة أسنان جديدة،
أتوقف لثانيةٍ كاملة،
وأفكر…
أي لونٍ كنتَ ستحب؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر