تفكيك الشفرة الجيوسياسية لتصريحات ترامب لنتنياهو حول حزب الله ….الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

التقرير الاستراتيجي (13) : رسالة ترامب في قمة (G7)

التاريخ: 17 حزيران/يونيو 2026

⏺️ المقدمة: هندسة الفوضى وضبط الإيقاع الإقليمية

شهدت كواليس قمة مجموعة السبع (G7) في إيفيان بفرنسا انعطافة دراماتيكية غير مسبوقة في مسار التعاطي الأمريكي مع ملفات الشرق الأوسط المتفجرة. في خطوة كسرت البروتوكولات الدبلوماسية التقليدية، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توبيخاً حاداً وعلنياً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مطالباً إياه بإنهاء العمليات العسكرية المفرطة في لبنان. وطرح ترامب بدلاً من ذلك معادلة مثيرة للجدل تقضي بـ*”ترك سوريا والشرع ليتوليا التعامل مع حزب الله”*.

يأتي هذا الطرح في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، متزامناً مع التوقيع الرقمي على مذكرة التفاهم التاريخية بين واشنطن وطهران في جنيف بوساطة باكستانية لإنهاء الحرب الشاملة وبدء مفاوضات نووية لـ 60 يوماً. غير أن الغوص في كواليس الأجهزة الاستخباراتية ومراكز البحوث الدولية يظهر أن رسالة ترامب تتجاوز ظاهرها الموجه لدمشق، لتستهدف في باطنها أنقرة، بوصفها “العراب الحقيقي لكواليس الشرق الأوسط الجديد”.

تفاصيل المشهد الاستراتيجي:

1️⃣ سياق توبيخ نتنياهو والأبعاد الزمنية

     لـ “اتفاق جنيف الكبير”

تزامنت الضربات الإسرائيلية العنيفة على بيروت مع اللمسات الأخيرة لاتفاق التهدئة الأمريكي-الإيراني. واعتبر ترامب أن سلوك نتنياهو العسكري يتسم بـ “عدم المسؤولية” ويهدد بانهيار الأسواق المالية. واستخدم ترامب عبارات توبيخية قاسية في اتصالاته كشفتها تقارير استخباراتية، محذراً من أن القصف العشوائي وتدمير المجمعات السكنية لملاحقة أفراد من حزب الله لم يعد مقبولاً ويضر بالصفقة الاقتصادية الكبرى التي يطمح لها لإنعاش الأسواق الأمريكية.

2️⃣ التكليف الوظيفي لإدارة أحمد الشرع

      ومقايضة “السيادة بالاستقرار”

أعلن ترامب صراحة أن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع هو شخص يراه “مسؤولاً وقادراً جداً”، وأنه جاء إلى منصبه بتنسيق مباشر مع قوى إقليمية على رأسها تركيا. هذا الوصف يحمل في طياته “تكليفاً وظيفياً مشروطاً”؛ إذ يرى البيت الأبيض أن سوريا الجديدة يجب أن تدفع ثمن الاعتراف الدولي بها عبر لعب دور الضابط الأمني الإقليمي. ومن جانبه، استغل الشرع المناخ لإجراء اتصالات تهدف للمساومة على رفع ما تبقى من عقوبات “قانون قيصر” الأمريكية وبدء مشاريع إعادة الإعمار مقابل تقديم تنازلات أمنية.

3️⃣ طبيعة “الجيش السري” لحزب الله

   المطلوب تفكيكه في الساحة السورية

تؤكد تقديرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن القصد الفعلي لترامب ليس دفع دمشق لغزو عسكري للبنان، بل تفكيك “الجيش السري” والبيئة الأمنية واللوجستية التي بناها حزب الله داخل سوريا طوال سنوات الحرب. هذا الدور يشمل ضبط المعابر والأنفاق الحدودية (خاصة في القصير والقلمون)، وتصفية مخازن الصواريخ الدقيقة والمسيرات، وشل حركة “الوحدة 4400” المسؤولة عن نقل الأسلحة والتمويل الإيراني.

4️⃣ حدود قدرة الجيش السوري الفيدرالي الجديد ومخاطر الصدام

تواجه الهيكلية الفيدرالية الناشئة للجيش السوري (المعتمدة على مجالس عسكرية إقليمية) تحديات بنيوية تحد من قدرتها على خوض مواجهة عسكرية مفتوحة مع حزب الله. نفوذ الحزب تحول من عسكري تقليدي إلى تغلغل “مجتمعي وأمني” عبر خلايا نائمة ومجموعات محلية مسلحة. لذلك، تفيد التقارير بأن إدارة الشرع ستلجأ إلى استراتيجية “التفكيك الناعم والاحتواء المستتر” عبر تشديد الرقابة الحدودية ومصادرة الشحنات الاستراتيجية بدلاً من الصدام المسلح المباشر.

5️⃣ تباين مواقف القوى المحلية السورية

(فصائل الشمال وقسد والمجالس المحلية)

يظهر تباين حاد داخل مكونات سوريا الفيدرالية؛ فبينما تبدي فصائل الشمال (المدعومة تركياً) حماساً مطلقاً لتفكيك شبكات إيران وحزب الله لإثبات جدارتها كشريك دولي، تنظر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) للملف كفرصة للمقايضة السياسية مع واشنطن لضمان حمايتها. بالمقابل، تخشى المجالس المحلية في الوسط والجنوب السوري من دفع الثمن ميدانياً عبر موجة اغتيالات قد تشنها الخلايا النائمة التابعة للحزب في حال اللجوء للصدام الخشن.

6. مستقبل التواجد العسكري الإيراني:

   من “الخشن” إلى “الناعم والاقتصادي”

وفقاً لتحليلات مؤسسة RAND الاستراتيجية، يتجه الوجود العسكري الإيراني في سوريا إلى انكفاء تكتيكي متفق عليه في جنيف، يشمل سحب مستشاري الحرس الثوري من القواعد المكشوفة لتجنب الاستهداف الإسرائيلي. وبدلاً من ذلك، تعتمد طهران استراتيجية “السورنة” عبر نقل المقرات والأسلحة لعناصر محلية موالية مدمجة في الهيكل الفيدرالي، مع التركيز على تحويل النفوذ إلى نفوذ اقتصادي صلب لحماية استثماراتها في الفوسفات والموانئ والعقارات بمحيط دمشق.

7️⃣ مأزق الفصائل العراقية وإعادة التموضع الدفاعي

يفرض الاتفاق الأمريكي-الإيراني الجديد على الفصائل العراقية المتواجدة على الحدود (محور الميادين-البوكمال) تراجعاً قسرياً إلى داخل الأراضي العراقية (القائم ونينوى). ويتحول دور هذه الفصائل من الهجوم وعمليات الإمداد العابرة للحدود إلى الدفاع وتحصين الحدود العراقية خشية تمدد الفصائل السورية أو عودة نشاط تنظيم داعش، مما يعني خسارتها التدريجية لشريان التهريب الاقتصادي واللوجستي الحيوي.

8️⃣ بروتوكول التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق ومأسسة الحدود

ينتقل التنسيق الأمني بين العراق وسوريا من الصيغ العقائدية والميدانية السابقة إلى بروتوكول رسمي تحكمه المصالح القومية وتراقبه القوى الدولية. تركز الآلية الجديدة على حصر التعامل بين الجيشين النظاميين، وإغلاق كافة المعابر غير الشرعية، وإنشاء غرفة عمليات معلوماتية مدعومة بتقنيات مراقبة حرارية وطائرات مسيرة بتمويل أمريكي وأوروبي، فضلاً عن الدور الذي تلعبه قاعدة “التنف” الأمريكية كقفل أمني جيو-استراتيجي عند مثلث الحدود المشتركة لمنع أي اختراقات عسكرية أو لوجستية.

⏺️ الخاتمة: مصير رسالة ترامب لنتنياهو ..

     إلى الشرع أم عبره لأردوغان؟

يكشف التحليل المعمق لكواليس قمة الـ G7 أن مصير رسالة ترامب لنتنياهو أحدث صدمة ارتدادية في تل أبيب، حيث وجد نتنياهو نفسه مجبراً على تقليص طموحاته العسكرية والنزول عن شجرة التصعيد العسكري المستمر، بعد سقوط ذرائع استمرار الحرب عسكرياً.

أما الإجابة عن السؤال الجوهري حول الوجهة الحقيقية للرسالة: فهي حتماً رُسمت للشرع ظاهرياً، ولكنها في باطنها وجوهرها استهدفت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بوصفه “عراب كواليس الشرق الأوسط” والظهير الإقليمي الحقيقي لسوريا الجديدة.

واشنطن تدرك تماماً أن أحمد الشرع لا يمتلك بمفرده القدرة العسكرية أو الغطاء السياسي لاتخاذ قرار بـ “تصفية” إرث حزب الله في سوريا وعلى الحدود اللبنانية. لذا، عندما قال ترامب إن الشرع يدير سوريا “بالتعاون مع الرئيس أردوغان”، كان يرسل شفرة جيوسياسية لأنقرة تفيد بأن: “الولايات المتحدة منحتكم النفوذ والشرعية في دمشق الجديدة، وبالمقابل، نتوقع منكم عبر أدواتكم السورية ضبط بيئة حزب الله الأمنية وتجفيف منابع السلاح”.

غير أن حسابات حقل ترامب لم تتطابق تماماً مع بيدر أنقرة؛ إذ أثبتت مجريات الأحداث أن “أردوغان صعب توريطه لبنانياً”؛ فالعراب التركي التقط باطن الرسالة الأمريكية بذكائه المعهود، وسارع لترتيب أوراقه بحيث يرفض بشكل قاطع تحويل بلاده أو حلفائه السوريين إلى “وكيل أمني” لحسابات واشنطن وتل أبيب في بيروت.

لقد فضّل أردوغان حماية “المشروع السوري الداخلي” وترسيخ الهيكل الفيدرالي الجديد بدلاً من الانزلاق في مستنقع الحروب بالوكالة، موجهاً دمشق لفرض “حصار لوجستي ودبلوماسي صامت” يحقق لواشنطن تجفيف منابع الحزب الأمنية على جغرافيا سوريا، دون أن يطلق رصاصة واحدة داخل لبنان تفسد خطوط تواصله الاستراتيجي مع طهران أو تفرغ الجبهة السورية الناشئة من عناصر قوتها.

⏺️ ملحق: تقدير الموقف الاستشرافي

    (مؤشرات المراقبة المستقبلية)

لتقييم مدى نجاح هذه الهندسة الأمنية الجديدة واختبار صمودها على الأرض خلال الأسابيع المقبلة، نوصي بمراقبة ثلاثة مؤشرات استراتيجية حاسمة:

1. مستقبل القناة الأمنية (دمشق – تل أبيب): تجري مراقبة ما إذا كانت إدارة أحمد الشرع ستوافق على إنشاء “قناة اتصال أمنية غير علنية” (برعاية روسية أو أمريكية) مع الجانب الإسرائيلي لتجنب الغارات العشوائية، مقابل تقديم دمشق لضمانات جغرافية ملموسة بوقف تدفق السلاح عبر حدودها.

2. اختبار “العمق الأردني” كمعيار للجدية: يمثل ملف مكافحة شبكات تهريب الكبتاغون والسلاح نحو الأردن التحدي الأسرع لإدارة الشرع لإثبات حسن نواياها الإقليمية؛ إذ إن نجاحها في تأمين الحدود الجنوبية لسوريا سيكون المؤشر الحقيقي على قدرتها اللاحقة على ضبط جبهة حزب الله المعقدة.

3. صمود “اتفاق جنيف” أمام الضغوط الداخلية الإسرائيلية: ستواجه حكومة نتنياهو ضغوطاً شرسة من المعارضة واليمين المتطرف، والتي ستعتبر التراجع أمام شروط ترامب بمثابة “استسلام”؛ مما يعني أن التهدئة الأمريكية-الإيرانية ستبقى هشة وتحت المقصلة حتى يتم توقيع الملاحق الفنية والخرائط النهائية رسمياً.

اترك رد