برزخ النوتة الأخيرة….رياض سعد

منبر العراق الحر :

كلما ساءت حالته النفسية وهبطت روحه إلى قاع القلق، هاج قولونه العصبيّ واضطرب , واستيقظت في جسده خناجر الألم.. , وتحوّل الطعام في معدته إلى شظايا زجاجٍ دقيقة، تنغرس في أحشائه ببطءٍ متعمّد، كأن جسده يتقن فنَّ تعذيبه.

وكعادته القديمة، تناول دواءه بصمت، ثم أدار مقطوعةً من الموسيقى الإيرانية الكلاسيكية.

وما إن انسكبت النغمات الأولى حتى بدأ يتلوّى.. , كان نفسه يرتفع ويهبط على إيقاع الكمان ، بينما دقات قلبه تتباطأ مع كل نوطةٍ تخرج من الكمان، كأن مصيره معلّقٌ بوترٍ رقيق، إذا ارتجف انطفأت الحياة.

مع أول دقة وتر، بدأت جدران الغرفة تذوب وتتحول إلى سائل هلامي، بينما كان جسده يتلوى كأنه يحاول الانعتاق من جلده.. ؛ كانت نغمات الكمان الحزينة تبني له سلّماً من سراب؛ كلما تصاعدت حدة اللحن، شعر بروحه تُسحب من أطراف أصابعه، وكأن دقات قلبه تتباطأ لتتزامن مع حركة القوس على الأوتار.

في لحظة الذروة السيمفونية، غمرت الغرفة إضاءة زرقاء باهتة، جمدت عيناه في فراغ سريالي؛ لم يعد يشعر بجسده بل صار هو نفسه النغمة الأخيرة المخنوقة… ؛ حالة من التلاشي المطلق بين الوعي والعدم، لا هو حي فيُعاني، ولا هو ميت فيستريح… , هكذا انطفأ، في مشهد غامض يشبه تماماً الأسئلة التي لم يجد لها جواباً طوال حياته.

وعندما انطفأت النغمة الأخيرة، أدرك أن نهايته لم تكن موتًا، بل عودةً إلى تلك البداية القديمة: حائرًا، غريبًا، ومعلّقًا بين بابين لا يفضيان إلى شيء.

كانت بدايتُه هي نفسُها نهايتُه، ولكنّهُ كان يُحاولُ ألا يلحظَ ذلك.

اترك رد