قراءة في نص «أراني أحمل رأسي» للشاعر إسماعيل عزيز في ضوء منهجية التفاعل النوعي .. عبدالكريم السعيد

منبر العراق الحر :

تنطلق منهجية التفاعل النوعي من أن المعنى لا يُستخلص من البنية اللغوية وحدها، ولا يُنتج من القارئ بمعزل عن النص، وإنما يتشكل من التفاعل المستمر بينهما. فالنص لا يقدم معنى جاهزًا، بل يبني شبكة من العلاقات تبدأ بالعتبة وما تُحدثه من أثر، ثم تتحدد بالوسيط الدلالي الذي تنتظم عبره الصور، والمحور الدلالي الذي يمنحها وحدتها الفكرية، ومن هذا التفاعل تنبثق الأسئلة، وتُحدث الانزياحات خلخلة في الإدراك، فتتولد الفجوات الدلالية والتلقيّة والتأويلية، فينخرط المتلقي في ملئها حتى يبلغ الإشباع النصي. غير أن هذه العناصر لا تعمل بوصفها مراحل منفصلة، بل تدخل في علاقة تفاعلية متبادلة، يعيد فيها كل عنصر إنتاج الآخر، فتغدو القراءة حركةً دائرية متجددة، لا خطًا مستقيمًا ينتهي عند خاتمة النص.
تبدأ القراءة من العتبة والأثر، المتمثلة في قول الشاعر:
«أَرَانِي أَحْمِلُ رَأْسِي
بِهِ مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ..»
تشكل هذه العتبة صدمة إدراكية وجمالية؛ لأنها تكسر أفق التوقع بتحويل الرأس من عضوٍ جسدي إلى فضاء يحتضن مدنًا، ثم تنقل هذه المدن من عالم العمران إلى عالم الدخان، بما يحمله من دلالات الاحتراق والزوال والهشاشة. ومنذ هذه اللحظة لا يكتفي المتلقي بتلقي الصورة، بل يبدأ في إعادة بناء العلاقة بين عناصرها، فينشأ الأثر الأول الذي يرافق القراءة بأكملها ويعيد توجيه فهمه للصور اللاحقة.
ويتحدد الوسيط الدلالي في صورة الرأس، إذ يتحول إلى المركز الذي تنتقل عبره جميع الصور، بينما يتمثل المحور الدلالي في الاحتراق بوصفه الفكرة الجامعة التي تنتظم حولها تلك الصور. فالرأس هو الفضاء الذي تتحرك فيه التجربة، أما الاحتراق فهو الرؤية التي تمنحها وحدتها. ويتجلى ذلك في قوله: «تَائِهٌ فِي مَمَرَّاتِهِ؛ لَا القِطَارَاتُ تَصِلُ، وَلَا الرُّكَّابُ يَعُودُونْ.» فالضمير في «ممراته» يعود إلى الرأس، لتغدو الممرات فضاءات للوعي، وتتحول القطارات والركاب إلى علامات على حركة داخلية فقدت وجهتها. ولا يصف النص مكانًا خارجيًا، بل يرسم خريطةً للذات وهي تتجول في متاهة وعيها. وفي الوقت نفسه تتردد مفردات الدخان والرماد والاحتراق والفكرة الناجية، لتؤكد أن جميع الصور تنبثق من محور دلالي واحد هو احتراق العالم الداخلي، لا بمعناه المادي، بل بوصفه احتراقًا للذاكرة، والأحلام، والمعنى.
ولأن الوسيط الدلالي لا يمنح معناه مباشرة، فإنه يدفع المتلقي إلى طرح السؤال، فيغدو السؤال حلقة الوصل بين البنية النصية والتفاعل معها. ومن هنا يفرض النص سؤاله الرئيس: هل بقي في عالم الاحتراق ما يمكن أن يمنح الإنسان معنى لوجوده؟ ويتجسد هذا السؤال في قوله: «أَوْ عَنْ فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ»، حيث يتحول البحث عن فكرة نجت من الاحتراق إلى بحث عن القيمة الأخيرة التي ما زالت قادرة على مقاومة الخراب.
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية التي لا يجيب عنها النص، بل يجعلها محركًا لإنتاج المعنى، من قبيل: ما المقصود بـ «مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ»؟ ولماذا لا تصل القطارات ولا يعود الركاب؟ وما الحكايات التي أصبحت «رَمَادُ حِكَايَاتٍ لَمْ تَكْتَمِلْ»؟ ولماذا جمع الشاعر بين الدخان والرماد؟ وأي وطن تبحث عنه الريح؟ وما طبيعة «الفكرة الواحدة» التي لم تحترق؟ وكيف يمكن أن يكون هناك «زِحَامِ شَوَارِعَ لَا نَوَافِذَ فِيهَا وَلَا وُجُوهَ تُلَوِّحْ»؟ ولا يتعامل المتلقي مع هذه الأسئلة بوصفها وحدات مستقلة، بل يدخل في حركة تفاعلية؛ فكل إجابة مؤقتة تفتح سؤالًا جديدًا، وكل فرضية يعيد اختبارها في ضوء ما يستجد من صور، فتغدو القراءة عملية مستمرة من بناء الفرضيات ومراجعتها.
ولا تنشأ هذه الأسئلة من فراغ، وإنما تفضي إليها الانزياحات التي يبني بها النص عالمه. فالانزياح اللغوي يتجلى في قوله: «بِهِ مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ»، حيث خرج التركيب عن مألوف الاستعمال، فدفع المتلقي إلى البحث عن العلاقة بين الرأس والمدن والدخان. أما الانزياح الإدراكي، وهو الأكثر حضورًا في النص، فيعيد تشكيل الواقع عبر صور تجعل الرأس مدينة، والممرات طرقًا داخل الوعي، والقطارات والركاب حركةً للذاكرة والمصير، كما تتجسد إحدى آلياته في قوله: «فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ»، حيث تتحول الفكرة من معنى ذهني مجرد إلى رمز لاحتمال النجاة. وهكذا لا ينتج الانزياح المعنى مباشرة، بل يخلخل الإدراك، ويولد السؤال، ومن السؤال تبدأ عملية البحث عن الدلالة.
ومن هذه الأسئلة تتولد الفجوات بوصفها أثرًا طبيعيًا للانزياحات. فالانزياح اللغوي يفضي إلى فجوات دلالية لأنه يحجب المرجع النهائي لصور مثل «مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ» و «رَمَادُ حِكَايَاتٍ لَمْ تَكْتَمِلْ» . أما الانزياح الإدراكي فينتج فجوات تلقيّة، لأن بناء الصورة الذهنية يختلف باختلاف خبرة المتلقي وأفق انتظاره. ومن هذين النوعين تنشأ الفجوات التأويلية، ولا سيما في قوله: «أَوْ عَنْ فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ»، إذ تبقى هذه الفكرة مفتوحة على احتمالات متعددة؛ فقد ترمز إلى الحرية، أو الحقيقة، أو الحب، أو الإيمان، أو الأمل. وهكذا لا تكون الفجوات نقطة بداية القراءة، بل نتيجة للأسئلة التي ولدتها الانزياحات، فيسعى المتلقي إلى ملئها عبر التفاعل مع البنية النصية.
وعندما يبلغ المتلقي صورة «فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ» يعود ذهنيًا إلى العتبة الأولى: «بِهِ مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ»، فيدرك أن الدخان لم يكن وصفًا عابرًا، بل كان البذرة الأولى لمحور الاحتراق الذي انتظمت حوله جميع صور النص. وهنا يتجلى الأثر الرجعي للمعنى؛ إذ تعيد الصور اللاحقة تفسير الصور السابقة، فتغدو نهاية القراءة بدايةً لقراءة جديدة، لا خاتمة لها.
وعند هذه المرحلة يتحقق الإشباع النصي، لا لأن المتلقي عثر على إجابة نهائية، بل لأنه أصبح قادرًا على إدراك العلاقات التي تربط جميع البنى الدلالية داخل نسق واحد. فـ «مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ»، و «رَمَادُ حِكَايَاتٍ لَمْ تَكْتَمِلْ»، و «فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ»، و «زِحَامِ شَوَارِعَ لَا نَوَافِذَ فِيهَا وَلَا وُجُوهَ تُلَوِّحْ» ليست صورًا متجاورة، بل حلقات في رؤية واحدة تجسد وعيًا إنسانيًا مثقلًا بالخراب، يبحث وسط الركام عن بقية معنى. ومن ثم فإن الإشباع النصي، في منظور منهجية التفاعل النوعي، لا يعني إغلاق الدلالة، وإنما بلوغ درجة من الاتساق تجعل النص محتفظًا بقدرته على توليد المعنى كلما دخل في تفاعل مع متلقٍ جديد.

النص :

أَرَانِي أَحْمِلُ رَأْسِي
بِهِ مُدُنٌ مِنْ دُخَانْ..
تائِهٌ فِي مَمَرَّاتِهِ؛
لَا القِطَارَاتُ تَصِلُ، وَلَا الرُّكَّابُ يَعُودُونْ.
وَتَحْتَ جُفُونِي رَمَادُ حِكَايَاتٍ لَمْ تَكْتَمِلْ،
كُلَّمَا أَغْمَضْتُهَا.. هَبَّتِ الرِّيحُ لِتَبْحَثَ عَنْ وَطَنٍ،
أَوْ عَنْ فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَحْتَرِقْ بَعْدُ،
فِي زِحَامِ شَوَارِعَ لَا نَوَافِذَ فِيهَا وَلَا وُجُوهَ تُلَوِّحْ

اسماعيل عزيز

اترك رد