شُجونٌ لا تُنسى ….بقلم محمد عربي

منبر العراق الحر :
شُجوني لا تنامُ على رصيفِ الذاكرة،
ولا تُطفئها المسافات،
فكلما ظننتُ أنني نسيتُ،
عاد وجهٌ قديم
ليجلسَ في قلبي
كأن الرحيلَ لم يحدث.
أمشي،
وفي خطوتي ظلُّ الذين أحببتهم،
وفي صوتي بقايا كلامٍ
لم أقله يومًا،
وفي يدي رسائلُ
لم تجد صندوقَ بريدٍ
يتسعُ لكل هذا الحنين.
يا شجونَ القلب،
من علّمكِ أن تبقي
حين يرحلُ الجميع؟
من قال إن الذاكرةَ
بابٌ يمكن إغلاقه؟
إنها وطنٌ صغير،
كلما هربنا منه
وجدناه يسكننا.
أنا لا أبكي الذين مضوا،
بل أبكي الأشياءَ
التي ماتت معهم:
ضحكةً كانت تملأ البيت،
صوتًا كان يعرف اسمي،
ويدًا كانت تقول لي
دون كلام:
لا تخف… أنا هنا.
لكنني كبرتُ،
وصرتُ أعرف
أن الإنسان لا يخسر أحباءه مرةً واحدة،
بل يخسرهم كلما تذكّرهم.
لذلك
أضع قلبي على نافذة الليل،
وأترك للنجوم
أن تقرأ ما عجزتُ عن قوله.
أقول للغائبين:
ما زلتم هنا،
في قهوة الصباح،
في أغنيةٍ قديمة،
في شارعٍ مررنا به ذات يوم،
وفي كرسيٍّ فارغ
ما زلتُ أترك له مكانًا
في آخر الحكاية.
شُجونٌ لا تُنسى،
لأن بعض الحزن
ليس جرحًا كي يشفى،
بل ذاكرةٌ
تعلّمت أن تتنفس.
وبعض الذين رحلوا
لا يغادروننا حقًا،
إنهم يتحولون إلى قصائد،
وإلى صمتٍ طويل،
وإلى سؤالٍ
نحمله معنا
حتى آخر الطريق.
يا قلبي،
لا تعتذر عن حنينك،
فالحنين ليس ضعفًا،
والوفاء ليس خطأً،
ومن أحبَّ بصدق
يترك في روحه
نافذةً مفتوحة
حتى لو أغلق العالم أبوابه.
أنا محمد عربي،
أكتب كي لا يضيع الذين أحببتهم
بين زحام الأيام،
وأكتب لأن بعض الوجوه
لا يكفيها أن نتذكرها،
بل تحتاج إلى قصيدة
تمنحها حياةً أخرى.
فيا شُجونَ القلب،
ابقي كما أنتِ…
حزينةً،
جميلةً،
وعصيةً على النسيان.
فأنا لا أخاف الحزن،
إنما أخاف
أن يأتي يومٌ
ولا أتذكر لماذا
كان قلبي
يحبُّ كل هذا.

اترك رد