«الجهاد السني والشيعي العابر للحدود».. حين تصبح العقيدة أوسع من الدولة … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

لم يبدأ «الجهاد العابر للحدود» يوم عبر أول مقاتل من دولة إلى أخرى. بدأ حين أصبحت العقيدة، في وعي حاملها، أوسع من الحدود السياسية التي صنعتها الدولة الحديثة. فالمقاتل العقائدي لا يرى نفسه بالضرورة «عابراً» لحدود شيء يعترف به أصلاً بوصفه نهاية لولائه؛ نحن، أبناء مفهوم الدولة الوطنية، من نراه كذلك. ولهذا فإن «الجهاد العابر للحدود» وصفنا نحن للحظة التي يتقدم فيها التكليف العقائدي على الجغرافيا الوطنية.

وكانت أفغانستان واحدة من أهم مختبرات هذه اللحظة في العصر الحديث.

ففي أواخر السبعينيات لم تكن أفغانستان أرضاً هادئة داهمها الشيوعيون من الخارج. كان «الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني» قد استولى على السلطة عام 1978، ودخلت أجنحته في صراع داخلي انتهى بصعود «حفيظ الله أمين» عام 1979. ثم دخل الجيش السوفيتي في ديسمبر، وقتل أمين، ونصّب «بابراك كارمل». وبذلك تحولت أزمة شيوعية أفغانية داخلية إلى مواجهة دولية وضعت موسكو عسكرياً على تخوم واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

وكان عام 1979 نفسه قد أسقط ركناً آخر من الخريطة. ففي فبراير نجحت الثورة الإيرانية وسقط نظام الشاه، أحد أهم أعمدة البنية الأميركية في الخليج. وخلال أشهر وجدت واشنطن نفسها أمام إيران خرجت من منظومتها، وأفغانستان يدخلها الجيش السوفيتي من الشمال. لم تعد كابول، في عين صانع القرار الأميركي، جبالاً بعيدة في آسيا؛ أصبحت جزءاً من جغرافيا تمتد جنوباً نحو المحيط الهندي ومضيق هرمز ومنابع النفط.

هنا يظهر «زبيغنيو بريجينسكي» مستشار الأمن القومي الأميركي في مكانه الحقيقي؛ لا مخترعاً للتمرد الأفغاني، ولا خالقاً للجهاد الإسلامي، بل أحد أهم العقول التي أدركت مبكراً إمكانية تحويل المقاومة الأفغانية إلى أداة استنزاف استراتيجية للسوفييت. ويجب أن نكون حذرين من الرواية الشهيرة التي تقول إن بريجينسكي صمم منذ البداية «فخاً أفغانياً» لإجبار السوفييت على الغزو. هو نفسه قال في مقابلة عام 1998 إنه كان يعلم أن الدعم قد يزيد احتمال التدخل السوفيتي، ووصف ذلك لاحقاً بأنه فرصة لمنح موسكو «فيتنامها». لكن دراسة أكاديمية مهمة في Diplomatic History راجعت الوثائق الأصلية ووصفت فكرة وجود خطة مسبقة متكاملة لـ«جر السوفييت إلى الفخ» بأنها مبالغة تاريخية؛ أي إن سياسة دعم المقاومة سبقت الغزو، لكن لا يوجد في الوثائق المنشورة ما يكفي للقول إن الهدف الرسمي الأصلي في يوليو كان استدراج الجيش السوفيتي عمداً.

كانت مؤسسات الأمن القومي الأميركي والـCIA قد بدأت بالفعل دراسة خيارات الدعم السري قبل الاجتياح السوفيتي الكامل، ثم وقّع كارتر في 3 تموز/يوليو 1979 تفويضاً رئاسياً سمح للوكالة بتقديم المال والإمدادات غير العسكرية والدعاية للمتمردين الأفغان، مباشرة أو عبر دول ثالثة. وبعد الغزو السوفيتي في ديسمبر اتسع البرنامج تدريجياً إلى الدعم العسكري المباشر.

ومن هذا المسار نما لاحقاً ما عُرف باسم «عملية سايكلون» (Operation Cyclone)؛ واحدة من أضخم وأطول عمليات العمل السري التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الحرب الباردة لدعم المقاومة الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي. لم تكن «سايكلون» مؤامرة لإنشاء تنظيم سيظهر بعد ثلاثة عقود، بل ترجمة استخباراتية لاستراتيجية قررت أن تجعل الاحتلال السوفيتي لأفغانستان مكلفاً إلى أقصى حد. وكان لباكستان دور الممر الاستخباري والتدريب والتوزيع، ودخلت السعودية في منظومة التمويل والدعم، فتحولت الحرب شيئاً فشيئاً من مقاومة محلية إلى ساحة دولية كبرى. الوثائق الأميركية المنشورة تثبت أن برنامج العمل السري بدأ رسمياً في يوليو 1979 ثم توسع على مراحل بعد الغزو.

لكن داخل هذه الحرب كانت تنمو ظاهرة أخرى لا تختصرها «سايكلون».

في الساحة الأفغانية التقت «الجهادية السلفية المصرية بالوهابية السعودية» داخل بيئة تعبئة واحدة، وإن لم تندمجا في مدرسة فكرية متطابقة. ثم جاء عبدالله عزام ليعطي هذا الالتقاء بعداً مختلفاً: لم تعد أفغانستان قضية الأفغاني وحده، بل ساحة يرى «المسلم القادم» من بلد آخر أن له تكليفاً بالقتال فيها. ومن «مكتب الخدمات» بدأت تتشكل بنية تستقبل المتطوع، وتنقله، وتموله، وتربطه بساحة لم تكن دولته طرفاً فيها.

هنا لم يعد الجهاد أفغانياً فقط؛ بدأ يصبح «جهاداً سنياً عابراً للحدود».

لم يعد السؤال: من يحمل جوازاً أفغانياً؟

فعبدالله عزام لم يكن أول من تحدث عن الجهاد، لكنه كان من أبرز من أعاد تعريف ساحته في العصر الحديث: لم يعد السؤال أين وُلد المقاتل، بل أين توجد أرضٌ يرى أن الدفاع عنها أصبح فرضاً عليه؟

نعم: أين توجد ساحة يُعتقد أن الجهاد فيها أصبح تكليفاً؟

وهكذا ولدت شبكة لا تجعل الدولة الوطنية نهاية الجغرافيا السياسية للمقاتل. وهذا هو المعنى الذي نقصده نحن بـ«الجهاد السني العابر للحدود»؛ أما من داخله، فهو لا يحتاج إلى صفة «العابر»، لأنه ينظر إلى الجهاد باعتباره واجباً لا تعرّفه الحدود أصلاً.

ومن «مكتب الخدمات» و «الأفغان العرب» خرجت لاحقاً البيئة التي تبلورت منها «القاعدة»، لكن هنا تحديداً يجب أن نفصل الحقيقة عن الأسطورة. الولايات المتحدة والسعودية دعمتا المقاومة الأفغانية عبر باكستان، لكن ذلك لا يساوي «إنشاء بن لادن أو القاعدة»، فضلاً عن تنظيم سيظهر بعد ذلك بعقود باسم «داعش».

وهنا تبدأ واحدة من أكثر عمليات الاختزال التاريخي نجاحاً في الخطاب السياسي العربي والعراقي خاصة:

«أمريكا صنعت داعش».

بين أفغانستان وداعش ليست هناك غرفة واحدة في لانغلي(مقر CIA) ، بل ربع قرن من التاريخ.

هناك «الأفغان العرب»، ثم «القاعدة»، ثم «تجربة الزرقاوي»؛ وهناك «غزو العراق» وما أنتجه من انهيار الدولة والفراغ الأمني والصراع المسلح والطائفي؛ وهناك «التوحيد والجهاد»، ثم مبايعة الزرقاوي لأسامة بن لادن وظهور «القاعدة في العراق»، ثم «دولة العراق الإسلامية»، وأخيراً انتقال التنظيم إلى البيئة السورية وانهيار الحدود وصولاً إلى «داعش».

لذلك فإن القول إن السياسات الأميركية ساهمت في صناعة بيئات كارثية أنتجت نتائج غير مقصودة قابل للدفاع تاريخياً، بل إن غزو العراق وأخطاء إدارة ما بعد الحرب تتحمل نصيباً ثقيلاً من المسؤولية عن البيئة التي ازدهرت فيها الجهادية العراقية. لكن هذا شيء، والقول إن وكالة الاستخبارات الأميركية أنشأت داعش تنظيماً شيء آخر تماماً.

صناعة البيئة ليست صناعة التنظيم.

وهذه المسافة وحدها تكفي لهدم الأسطورة من دون أن نبرئ واشنطن من أخطائها.

ومن هنا أيضاً يُفهم تصريح دونالد ترامب الشهير في حملته عام 2016 عندما اتهم أوباما وهيلاري كلينتون بأنهما «مؤسسا داعش». كان ذلك اتهاماً سياسياً لسياسات الإدارة التي رأى أنها سمحت بصعود التنظيم، لا اعترافاً من رئيس أميركي بعملية سرية لإنشائه. تحويل العبارة إلى «إقرار أميركي بصناعة داعش» ليس قراءة للتاريخ؛ إنه اقتطاع خطاب انتخابي وإلباسه وظيفة استخباراتية لم يحملها.

لكن «الجهاد العابر للحدود» لم يبق حكراً على النموذج السني.

فبعد الثورة الإيرانية ظهر نموذج مختلف في البنية، وإن التقى معه في نقطة جوهرية: العقيدة لا تتوقف عند حدود الدولة. وفي الثمانينيات برزت نظرية «أم القرى» المرتبطة بالدكتورمحمد جواد لاريجاني، والتي نظرت إلى الجمهورية الإسلامية باعتبارها مركزاً للمشروع الإسلامي الأوسع؛ أي أن أمن المركز لم يعد يُقرأ فقط ضمن حدود إيران، بل ضمن مصير مشروع يتجاوز تلك الحدود. وتشير دراسات متعددة إلى ارتباط هذه النظرية بلاريجاني وتطورها في مرحلة ما بعد الثورة.

ومن هذا المنطق تطور ما تصفه الأدبيات الاستراتيجية لاحقاً بـ «الدفاع المتقدم» أو «الدفاع الأمامي» (Forward Defense): دفع خطوط الردع والاشتباك بعيداً عن الأرض الإيرانية، وبناء عمق استراتيجي عبر شبكة من الحلفاء والقوى غير الحكومية التي أصبح فيلق القدس إحدى أهم أدوات إدارتها. وهي ليست بالضرورة التسمية التي يستخدمها الفاعل العقائدي لنفسه؛ فقد يراها تكليفاً شرعياً أو نصرةً للمستضعفين، بينما يقرأها الباحث العسكري بوصفها استراتيجية لردع الخصم خارج الحدود وحماية المركز الإيراني. وقد أصبح مصطلح Forward Defense مستقراً في الأدبيات الحديثة لوصف هذا النمط من الاستراتيجية الإيرانية.

ومن هنا يمكن اختصار العلاقة كلها بجملة واحدة:

نظرية «أم القرى» أعطت المشروع مركزه؛ و«الدفاع المتقدم» أعطى المركز عمقه الجغرافي.

لكن الفاعل العقائدي نفسه قد يرفض حتى هذه اللغة.

نحن نقول «ذراع إيرانية»، و«ولائي»، و«دفاع أمامي». أما هو فقد يقول: «أنا عقائدي»، وما أفعله «تكليف شرعي ونصرة للمستضعفين». ولذلك فالمصطلح الذي نصف به الوظيفة الاستراتيجية ليس بالضرورة الاسم الذي يعرّف به صاحب الفعل نفسه.

ومن هنا يمكن فهم ما نسميه «الجهاد الشيعي العابر للحدود»: ليس نسخة شيعية من القاعدة، ولا تنظيماً واحداً، وإنما نموذج مختلف جذرياً؛ «الفاعل السني العابر للحدود» نشأ أساساً من أفراد وشبكات وتنظيمات تبحث عن الساحات، بينما «النموذج الإيراني» تطور داخل دولة تمتلك مؤسسات وتمويلاً وحرساً ثورياً وشبكة حلفاء خارج حدودها.

وهنا تقع الفوارق كلها في جملتين:

«الجهاد السني العابر للحدود» بدأ شبكةً تبحث عن ساحة.

و«الجهاد الشيعي العابر للحدود»، في نموذجه الإيراني، أصبح دولةً تبني عمقها عبر الساحات.

الأول خرج من الدولة لأن العقيدة عنده أوسع منها.

والثاني استخدم الدولة لأن العقيدة عنده تمنحها وظيفة تتجاوز حدودها.

وبين الاثنين تتغير الأسماء والأبطال والمذاهب والوسائل، لكن السؤال يبقى واحداً:

ماذا يحدث للدولة الوطنية عندما يصبح التكليف العقائدي أوسع من حدودها؟

هنا فقط نفهم لماذا لا تكفي كلمة «ميليشيا»، ولا كلمة «إرهاب»، ولا حتى كلمة «ولاء» وحدها لفهم الظاهرة. فقبل السلاح توجد فكرة، وقبل عبور الحدود يوجد تعريف مختلف لمن يملك الحق في رسم حدود الواجب.

ولذلك ربما تكون الخلاصة الأبسط هي الأثقل:

«الجهاد العابر للحدود» ليس اسماً اختاره الجهادي لنفسه؛ إنه الاسم الذي تمنحه الدولة الحديثة للفكرة عندما ترفض أن تتوقف عند حدودها.

ومن أفغانستان إلى العراق، ومن «مكتب الخدمات» إلى شبكات «الدفاع المتقدم»، ليست الصور متطابقة، ولا يجوز جمعها في سلة واحدة.

لكنها جميعاً تضعنا أمام حقيقة واحدة:

حين تصبح العقيدة أكبر من الدولة، تتحول الحدود من نهاية للسياسة… إلى مجرد خط على الطريق.

 

اترك رد