بُردة القصيد .. نبض وطن….هيفاء البريجاوي

منبر العراق الحر :
إلى تلكَ الغَرّاءِفي بيداءِ القوافي
أما آنَ أن تنزعي عنكِ ثوبَ الحزنِ؟
أليسَ كافي؟
فقد مرَّ على وجعِ الكلماتِ من الأحزانِ
ما أغلقَ سجونَ الحنينِ بجيوشٍ من المعاني ،وجثا على صدرِ القصيدةِ ألفُ قافٍ وقافِ.
كأنَّ القصائدَ منذ البدءِ كانت تعرفُ
أنَّ للمرأةِ في اللغةِ مقامًا لا حدودَ له
من الألف ِإلى ياءِ التعافي
يا امرأةً
دخلتِ القصائدَ من أبوابها كلها
فكتبتِ على ذاتِ الوزنِ
وجعَكِ، بملح صَبرِ القوافي ِ
وذاكرةَ الطفلةِ التي لم تكن طفلةً
حين حملتْ في قلبها أمَّها
وأشعلتْ في رمادِها كرامةَ الأصولِ
وكبرياءَ النسبِ
وعزةَ امرأةٍ لا تنحني
تشمخُ لغةُ الضادِ بالحرفِ، وتتعافى جراحُها بالشعور
فما خُلِّدَ من القصيدِ إلا ما أنجبهُ الوفاء.
ملكةٌ أنتِ…
إمبراطورةُ معنى ،لكنهم لم يعرفوا
أنَّ طفلتَها الصغيرة،كانت تُحرِّضُ في أمومتها،كلَّ هذا الكبرياء،
وتقول لها:
اكتبي…
فالكلماتُ بذورُكِ ،والروحُ مشتلُها
والأرضُ التي ضاقتْ بكِ
لم تعدْ وطنَكِ وحدها.
لم يعدْ سورُ البيتِ وطنًا
فالعالمُ كلُّه
فتح ذراعيه لأوجاعكِ،وصارَ المنبرُ بيتَكِ
وصارتِ المحافلُ،والقضاةُ،والمرافعاتُ
ساحاتٍ تُسمَعُ فيها امرأةٌ
لا تطلبُ شفقةً،بل تستردُّ حقَّ الإنسانِ في أن يكونَ حرًّا.
وحين وقفتِ أمامَ العالمِ
لم تكوني وحدكِ…
كانت طفلتُكِ تكتبُ لكِ
ضميرَها،وكان قلبُكِ يكتبُ لها
إنسانيتَها.
بصوتٍ أجشَّ،وقافيةٍ حرّة،
حوَّلتِ الخوفَ إلى لغة
والاحتياجَ إلى قضية
والقضيةَ إلى قصيدة
والقصيدةَ إلى سفرٍ طويلٍ
من أجلِ أمانٍ
لم تعرفْه الأجيالُ بعد.
وأيقظتِ ضميرَ العالمِ
برجولةِ المعنى،حين يكونُ المعنى
أقوى من السيفِ،وأبقى من الحدودِ
وأصدقَ من كلِّ راية.
حُرّةٌ… حُرّةٌ…
هكذا وُلدَ المعنى كبيرًا،
وهاجرَ في الجهاتِ،ثم عادَ إلى أرضِه
يرتدي براءةَ البردةِ،ورائحةَ الوطن.
عادَ ليقولَ لها:
عزُّكِ لم يكن اسمًا
بل كانَ ثوبًا من شجاعة
لبستِ منه البسالةَ والبطولة
وعانقتِ الوطنَ
على كتفِ القصيدة،وشممتِ في صوته
عطرَ عربيٍّ قديمٍ،لا يزالُ يعرفُ طريقَه
إلى الحقِّ والعدلِ،والأمانِ والسلام.
يا شامَ الأصالة،يا وشاحَ البردةِ
حين تصيرُ الحريةُ عطرًا
وحين تصيرُ الكلمةُ وطنًا
وحين تحملُ امرأةٌ،على كتفيها،لتكوني
شَريكةَ سكينة قُلبه حينمايتجاوز
الوجع السطور والقوافي
يا شام…
أنا لا أكتبُ لكِ قصيدةً
أنا أرفعُ لكِ صوتَ امرأةٍ
خرجتْ من بين الرمادِ
لتقولَ للعالم:
لسنا وجعًا يُروى
ولا حزنًا يُعلَّقُ على جدرانِ الذاكرة.
من روح القصيد أنبتّت سنابل القوافي
ألف معنى .
نحنُ من نحملُ القافيةَ،من امرأةٍ إلى امرأة،ومن أمٍّ إلى ابنتها،
ومن طفلةٍ تحفظُ سرَّ أمِّها
إلى أمّةٍ تتعلّمُ كيف تحفظُ كرامتَها.
من أوّلِ امرأةٍ
حملتْ بردةَ المجدِ العربي،
إلى آخرِ امرأةٍ،ستقفُ ذاتَ يومٍ
على منصةِ العالم
وتقول:
ها أنا…
لم أعدْ أبحثُ عن وطنٍ
يحتويني،
لقد صرتُ أنا،مساحةَ الوطن.
ولم أعدْ أبحثُ عن صوتٍ
يسمعني،
فأنا صوتُ كلِّ قلبٍ،أيقظهُ الظلمُ
وأحياهُ الأمل.
ولم أعدْ أخافُ القصيدة،
فالقصيدةُ صارتْ جناحي
والقافيةُ صارتْ خطوتي
والحرفُ صارَ ميثاقي
والسلامُ صارَ رايتي.
فيا من ظننتم
أنَّ المرأةَ قافيةٌ تابعة…
انظروا إليها الآن:
إنها القصيدةُ كلُّها.
ويا من أغلقتم
أبوابَ المعنى…
اسمعوا:
من رحمِ الألمِ،وُلدَتْ أغنيةٌ
ومن قلبِ الخوفِ،وُلدَ الأمان،
ومن دمعةِ طفلةٍ،وُلدَتْ كرامةُ أمّ
ومن صمتِ امرأةٍ،وُلدَ صوتُ وطن
ومن وطنٍ جريحٍ،وُلدَتْ قصيدةٌ
تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا
إلى إنسانيةِ العالم.
هذهِ بردتُها…
ليستْ ثوبًا من قماش
بل عهدُ امرأةٍ،أن تحملَ الحريةَ
حتى آخرِ قافية.
وهذهِ قصيدتُها…
ليستْ حروفًا،بل لحنُ كرامة
ووجدانُ عالم،وقلبُ امرأةٍ
رفضَ أن يموتَ،قبل أن يرى
الحقَّ حرًّا
والإنسانَ آمنًا،والوطنَ سالمًا
والطفلةَ قادرةً،أن تكبرَ دون خوف.
ومن هنا…
من بيداءِ القوافي
من شامِ الأصالة
من بردةِ الحرية
من قلبِ امرأةٍ
تعرفُ أنَّ الحبَّ مقاومة
وأنَّ السلامَ شجاعة
وأنَّ الكلمةَ
حين تصدقُ
تستطيعُ أن تهزَّ أركانَ العالم
في بيداء المنافي
نرفعُ القصيدةَ
إلى منصاتِ العالم:
حُرّةٌ… حُرّةٌ… حُرّةٌ.
حتى لا يبقى من هذا الجيلِ
إلا آخرُ مشهدٍ ثقافيٍّ إنسانيٍّ حرّ،
تكتبهُ الأجيالُ القادمة
بمدادِ الكرامة
وتوقّعهُ النساءُ
باسمِ الحبِّ والسلام
وتلبسهُ الأوطانُ
بردةً لا تسقطُ أبدًا.
يا شامَ…
يا وشاحَ بردةِ الحرية،
كوني آخرَ القصيدةِ
وأولَ المجد.
صوت ثائر على وجعِ القصيدِ
أعبرُ… وأمضي
أختمُ وجعي بمنبرِ ضمير شاهد حق
بصوتِ كل طِفلة لم تَلِد بعد
عربيٌّ أنا، وجنسيّتي صوتُ كلِّ حرٍّ أبيّ
وحرفي إذا نادى الحقَّ، لا يعرفُ الانحناءْ
عربيٌّ أنا، وجنسيّتي صوتُ كلِّ حرٍّ أبيّ
وُلدتِ الحريةُ من رحمِ الوعد
وأتمَّ الحرفُ العهدَ…
فنهضَ الحقُّ نشيدًا،
ومضى اللحنُ شوقًا بلا حدّ.
من المهد إلى اللحد تبقى المرأة روح
السلام ،تلبس عباءة مجد قبطان
إذا نطقَ الحرف ، أنصتَ الزمان
واستعار بردة منها المعاني .
الروائية العربية السورية
هيفاء البريجاوي

اترك رد