منبر العراق الحر :
يولد الإنسان حرًا؛ فالحرية هبة أصيلة في وجوده، لكنه قد يفقدها حين تفرض عليه السلطة أو المجتمع أو الخوف قيودًا متراكمة. وأول مرحلة من مراحل اغتصاب الحرية تبدأ بالخوف؛ فالخوف غريزة تدفع الإنسان إلى طلب الحماية، وحين تتحول الحماية إلى خضوع، قد يقبل الإنسان القيود طوعًا اتقاءً للخطر، فيدخل دائرة العبودية دون أن يشعر. ومن هنا تبدأ السلطة في التحول من وسيلة لتنظيم الحياة إلى أداة لفرض الخضوع، سواء أكانت سلطة المجتمع، أم القبيلة، أم العرف الاجتماعي، أم النظام السياسي، أم غيرها من أشكال السلطة التي تمتلك القدرة على القهر والإكراه.
وقد تبدأ العبودية أحيانًا من الرغبة نفسها؛ إذ يختار الإنسان فكرة أو أيديولوجية بحثًا عن معنى أو خلاص أو انتماء، فيتعلق بها تدريجيًا حتى تتحول من اختيار إلى قيد، ومن قناعة يملكها إلى قناعة تملكه. وحين تصبح الأيديولوجية معيارًا وحيدًا للحقيقة، قد يفقد الإنسان قدرته على مراجعتها أو مساءلتها، فيتحول الانتماء إليها من اختيار حر إلى شكل من أشكال العبودية الفكرية.
ومع امتداد القهر، قد يتحول القيد من قوة خارجية إلى نمط من السلوك والوعي، وتكون الأسرة أولى البيئات التي يعاد فيها إنتاجه تربويًا. ولا يحدث ذلك بالتلقين المباشر وحده، بل من خلال سلوك الآباء ومواقفهم، ومن خلال المحاكاة التي يتعلم بها الطفل أنماط التفكير والسلوك؛ فيحاكي والديه أولًا، ثم يحاكي محيطه الاجتماعي، فتنتقل إليه أنماط الخوف والخضوع والتعامل مع السلطة، حتى تتحول مع التكرار إلى سلوك مألوف. وقد يكون لاستعباد المرأة داخل الأسرة أثر عميق في تنشئة الطفل على الخوف والخضوع، حين يرى القهر يمارس أمامه، فيتعلم مبكرًا أن القوة تفرض الطاعة، وأن الأضعف عليه أن يخضع للأقوى. ومع تكرار هذه النماذج، تتسلل العبودية إلى الوعي، ثم تترسخ في اللاوعي، حتى يغدو الخضوع سلوكًا تلقائيًا يعاد إنتاجه من جيل إلى آخر.
وللحرية وجهان: حرية أولى يولد بها الإنسان، وهي قابلة للاغتصاب حين تفرض عليه القيود باسم السلطة أو الطاعة أو العرف؛ وحرية ثانية يستعيدها بعد الوعي، حين يدرك أن ما اعتاده ليس قدرًا، وأن الخضوع الذي ظنه طبيعيًا كان صورة من صور العبودية. وهذه الحرية المستعادة ليست مجرد عودة إلى ما كان، بل حرية أكثر رسوخًا؛ لأنها تقوم على وعي الإنسان بحقه في أن يكون حرًا، وعلى إدراكه للقيود التي حاولت أن تصادر هذا الحق.
والأخطر أن الإنسان، بل المجتمع الذي يرزح تحت وطأة العبودية، قد يظن أنه حر؛ فحين يستقر القيد في أعماقه، لا يعود يراه قيدًا، بل قد يدافع عنه باعتباره اختيارًا، فيتحول الخضوع من حالة مفروضة إلى قناعة يتبناها صاحبها.
لكن متى يولد الوعي؟ فقد يولد من سؤال، أو تجربة، أو ظلم، أو لحظة يكتشف فيها الإنسان أن ما اعتاده ليس قدرًا، وأن ما ظنه حرية قد يكون صورة أخرى من صور العبودية. عندها يبدأ الوعي بحقيقة الحرية، ويصبح التحرر استعادة لحق أصيل، لا طلبًا لحق جديد.
فيا ترى، هل نحن أحرار؟
عبدالكريم السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر