لن أشفى من موت أمي …رانية مرجية

منبر العراق الحر :

لم أشفَ من موت أمي.

ولستُ في عجلة من أمري.

فأنا لا أريد أن أتعافى من امرأة
كان وجودها في حياتي
هو المعنى الأول للعافية.

منذ رحلت،
وأنا أتعلم أن الغياب ليس مكانًا فارغًا.

الغياب شيء له وزن.

نجده على الكرسي الذي لم تعد تجلس عليه،
في المطبخ حين نسمع صوت الأواني
ولا نسمع صوتها،
في الباب حين نفتحه
ولا نجد تلك الخطوة التي كنا نعرفها
قبل أن نراها.

حتى الضوء في البيت تغيّر.

لا أعرف كيف،
لكنني أعرف أنه تغيّر.

ربما لأن بعض الناس
لا يسكنون البيوت فقط.

يسكنون الضوء الذي فيها.

أمي…

كنت أظن أنني أعرفكِ
لأنني عشت معكِ.

ثم متِّ،
فاكتشفت أنني كنت أعرف وجودكِ
أكثر مما كنت أعرف قيمته.

كنتِ الأشياء التي لا أنتبه إليها:

دعاءً في الصباح،
سؤالًا عابرًا،
يدًا تمتد لتعدل شيئًا في ثوبي،
صوتًا يقول اسمي
من الغرفة الأخرى.

كنتِ ذلك الأمان
الذي لا نشكره
لأننا نعتقد أنه لن ينتهي.

ولم أفهم
أن بعض النعم
تغادر دون موعد.

أكثر ما يؤلمني
ليس يوم موتكِ وحده.

إنه كل يوم جاء بعده.

اليوم الذي أردت فيه أن أخبركِ شيئًا
ثم تذكرت.

اليوم الذي تعبت فيه
وتمنيت حضنكِ.

اليوم الذي حدث فيه شيء جميل
فبحثت عنكِ بعيني
قبل أن أتذكر أنكِ لم تعودي هنا.

أتعرفين ما هو أقسى ما في الفقد؟

أن تحدث لنا الحياة
ولا نجد الشخص الذي كنا نريد أن نقصّها عليه.

أحيانًا أفتح هاتفكِ.

لا أعرف لماذا.

أرى اسمكِ،
وأتوقف.

اسمكِ الذي كان يومًا
طريقًا قصيرًا إليكِ،
صار الآن بابًا مغلقًا.

أحدّق فيه طويلًا
ثم أضع الهاتف جانبًا.

ولا يحدث شيء.

وهذا هو الموت:

أن يكون أقرب الناس إليكِ
على بُعد لمسة،
ومع ذلك
لا تستطيعين الوصول إليه.

كنت أظن أنني أخاف من الموت.

الآن عرفت أنني أخاف من النسيان.

أخاف أن يأتي يوم
أستعيد فيه وجهكِ
ولا أستطيع أن أستعيد صوتكِ.

أن أتذكر ابتسامتكِ
وأخطئ في تفاصيلها.

أن أعرف أنكِ كنتِ تحبين شيئًا
ولا أتذكر لماذا.

أخاف أن تصيرين صورة.

ثم ذكرى.

ثم اسمًا.

وأنا لا أريد لكِ أن تصيري اسمًا.

أريدكِ أن تبقي أمي.

بكل ما في الكلمة
من حياة.

لهذا أكتب.

أكتب لأن الذاكرة، مهما أحبّت،
تتعب.

والورق لا يتعب.

في كل بيتٍ بعد موت الأم
هناك أشياء لا يلمسها أحد.

ليس لأنها ثمينة.

بل لأنها أصبحت تحمل أكثر مما تحتمل.

ثوب.

مشط.

كوب.

صورة.

ورقة بخط اليد.

أشياء لا قيمة لها عند الآخرين،
لكنها عندنا
أقرب إلى الجسد.

أنا أيضًا لدي أشيائي الصغيرة منكِ.

ولا أستطيع أن أشرح للناس
لماذا أحتفظ بها.

كيف أشرح لهم
أن قطعة قماش قديمة
يمكن أن تكون وطنًا؟

كيف أشرح لهم
أن شيئًا لم يعد فيه شيء من جسدكِ
يمكن أن يحمل رائحتكِ أكثر من العالم كله؟

أمي…

لو عاد بي الوقت
لن أطلب منكِ شيئًا كبيرًا.

لن أطلب منكِ أن تعيشي أكثر.

سأطلب فقط
أن أنتبه أكثر.

أن أنظر إليكِ حين تتحدثين.

أن أحفظ يديكِ.

أن أسمع الحكاية التي كنتِ تكررينها
حتى لو كنت أعرف نهايتها.

أن أجلس إلى جواركِ
دون أن أكون منشغلة بشيء آخر.

لقد فهمت متأخرة
أن الحب لا يؤلمنا حين نعطيه.

يؤلمنا حين نكتشف
كم كان كبيرًا
بعد أن يصبح صاحبه بعيدًا.

وحين يقولون لي:

«مع الوقت ستتجاوزين.»

أبتسم.

كيف أشرح لهم
أنني لا أريد تجاوزكِ؟

أنا لا أريد أن أصل إلى مكان
لا أفتقدكِ فيه.

أريد أن أتعلم فقط
كيف أعيش وأنا أفتقدكِ
دون أن ينهار كل شيء.

أريد أن أحمل حزني
كما يحمل المرء شيئًا مقدسًا:

لا يتركه،
ولا يسمح له أن يبتلعه.

سأعيش يا أمي.

ليس لأنني نسيت.

بل لأنكِ، حتى في غيابكِ،
ما زلتِ تدفعينني نحو الحياة.

سأضحك.

وسأحب.

وسأحقق أشياء
كنت أتمنى أن تريها.

وحين يحدث ذلك
سيكون في قلبي كرسي فارغ.

لن أجلس أحدًا عليه.

ذلك مكانكِ.

وسأظل أتركه لكِ
كما لو أنكِ قد تعودين ذات مساء
وتسألينني ببساطة:

«كيف كان يومكِ؟»

وسأجيبكِ في داخلي
عن كل الأيام التي لم تسمعيها.

أمي…

الموت أخذ صوتكِ من البيت،
لكنه لم يأخذ صوتكِ مني.

ما زلت أسمعكِ
في الكلمات التي أقولها.

في خوفي على من أحب.

في حناني على من يتعب.

في الدعاء الذي يخرج من فمي
دون أن أفكر.

في الأشياء التي أفعلها
ثم أنتبه أنها تشبهكِ.

ربما هذه هي الطريقة الوحيدة
التي بقيتِ بها هنا:

أنني كلما صرتُ شيئًا جميلًا،
وجدتُ في داخلي
أثرًا منكِ.

ولهذا لا أستطيع أن أقول:

«كانت أمي.»

لا.

أمي ليست «كانت».

أمي هي اليد التي لم تعد هنا
لكنها ما زالت تسندني.

هي الصوت الذي انقطع
وما زال يعلمني الطريق.

هي الغائبة
التي تركت حضورها
في كل زاوية مني.

لم أشفَ من موت أمي.

ولن أشفى.

لكنني لم أعد أطلب الشفاء.

أطلب فقط
أن يبقى الحب.

أن تبقى ملامحها في ذاكرتي
حين تتعب الذاكرة.

أن يبقى اسمها دافئًا
حين يبرد كل شيء.

أن أظل، مهما كبرت،
ابنتها.

وأن يكون لي في نهاية العمر
مكانٌ أقول فيه:

لقد عشتُ طويلًا،
لكنني لم أعش يومًا
بعيدًا عن أمي.

لأن بعض الموتى
لا يغادروننا.

إنهم يغيّرون مكانهم فقط.

من أمام أعيننا…

إلى داخل أرواحنا.

— رانية مرجية

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد