كريم… الذي أخذته الحرب، وبقي في الذاكرة..قصة قصيرة… رياض سعد

منبر العراق الحر :

لم أكن أعلم، حين تقاسمتُ مع كريم مطشر ظلمة الملجأ وخوفه في ملجأ شارع الفلاح عام 1982، أنني سأخرج من ذلك المكان محتفظًا بذكراه وحدي، وأن السنوات ستمضي بي بعيدًا، فيما سيبقى هو عالقًا في تلك المسافة الغامضة بين الصداقة والموت، بين ما عشناه معًا وما كان يمكن أن نعيشه لو أن الحرب تركت لنا فرصة أخرى.

كان كريم طويل القامة، هادئ الطباع، مهذبًا إلى الحد الذي يجعلك تشعر بأنه يعتذر حتى حين لا يكون مخطئًا , لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يملك ابتسامة تغيّر مزاج المكان، كأنها تذكّرنا بأن الحياة، على الرغم من قسوتها، ما زالت تخبئ لنا شيئًا يستحق أن ننتظره.

كنا رفيقَي دراسة، تجمعنا مقاعد الصف وأحاديث ما بعد الدوام، ثم نلتقي في ملاعب كرة القدم، حيث كان كريم يجد نفسه على نحو لم أره فيه في مكان آخر.

كان طويلًا، لكن قامته لم تكن تعوق خفته؛ يتحرك بين اللاعبين برشاقة، ويمنح الكرة بقدميه حياة أخرى، كأنها تعرف طريقها إلى المرمى بمجرد أن تلامسها.

كان يلحّ عليّ كي ألعب معه ضمن فريق شباب الفتح، بإشراف المرحوم تركي جبار.. , وكان معنا حسام حسن وزهراوي ورعد جبار وعلي، وآخرون جمعتنا بهم الملاعب وأحلام الشباب.. , كنا نركض خلف الكرة، ونتجادل بشأن الأهداف، ونعود إلى بيوتنا متعبين، لكننا نحمل في صدورنا فرحًا صغيرًا لا تستطيع الأيام انتزاعه بسهولة.

كنت أرى في كريم مشروع لاعب يمكن أن يصل إلى أحد الأندية الجماهيرية.. , لم يكن حلمه بعيدًا عن واقعنا؛ كان يحتاج إلى فرصة، وربما إلى قليل من الحظ.. , ولم يخطر ببالي يومًا أن تلك القامة التي كانت تتجاوز المدافعين في الملعب ستنحني تحت سقف الموضع العسكري في الجبهة ، وأن القدمين اللتين رسمتا طريقهما نحو المرمى ستسيران به إلى جبهة لا يعرف أحد ما إذا كان سيعود منها.

كان بيت كريم مقابل مستشفى الجوادر من الجهة الخلفية.. , أعرف الطريق إليه، وأعرف الباب الذي اعتدنا الوقوف عنده، لكنني لم أكن أعرف أن ذلك الباب سيصبح، بعد سنوات قليلة، علامة في ذاكرتي لا أستطيع المرور بها من دون أن أستعيد ما حدث.

كان كريم يحمل حكاية فقد أقدم من عمره… ؛ فقد استشهد والده، أبو كريم، في حرب الشمال، وترك وراءه زوجةً وابنًا وحيدًا وابنتين.. , يومها وجدت أمه نفسها أمام مسؤولية أكبر من قدرتها، لكنها مضت في الحياة بما بقي لها من قوة، وربّت أبناءها في ظروف لم تمنحها كثيرًا من الخيارات.

كانت أم كريم امرأة جنوبية أصيلة، لا تعرف الشكوى إلا حين تضيق بها السبل، وحتى عندئذ كانت تحاول أن تخفي تعبها كي لا يشعر أبناؤها بأن الحياة أثقل مما يستطيعون احتماله.

كان كريم بالنسبة إليها أكثر من ابن.. , كان ابنها الوحيد، وسندها الذي تعلّق به أملها في أن تعوض ما خسرته، واليد التي ستساعدها حين تتعب، والصوت الذي ستسمعه في البيت بعد أن أخذت الحرب زوجها.

لكن الحرب لم تكتفِ بأخذ الأب.

كانت السنوات تمضي، والعراق يغرق في حربه الطويلة مع إيران… ؛ شباب يذهبون إلى الجبهات، وأمهات يراقبن الطرق، ونساء يخفين دموعهن خلف أبواب البيوت، وأسر تتعلم كيف تستقبل أخبار الموت، ثم تعود إلى أعمالها اليومية كأنها لم تفقد قبل قليل شخصًا كان يملأ حياتها.

كان كريم لا يزال طالبًا في المرحلة الثانوية.. , وحين أخفق في السادس الإعدادي، لم يكن الرسوب نهاية حلمه، لكنه جاء في وقت لم تكن فيه الحياة تمنح الشباب فرصًا كثيرة للتعويض.. , ساقته ظروف التجنيد إلى الجيش، وبدأ الطريق الذي لم يكن قد اختاره لنفسه، فيما ظلت أحلامه القديمة معلقة في مكان ما بين المدرسة والملعب.

أتذكر حديثًا دار بيننا ونحن نغادر الملعب.. , كنت أراه يومها لاعبًا ينتظره مستقبل جميل، وكنت أتكلم معه كما يتكلم الأصدقاء الذين يظنون أن أمامهم سنوات طويلة.

قلت له:

— كريم، إذا دخلتَ أحد الأندية الكبيرة، سأكون أول مشجع لك.

ضحك وقال:

— وإذا صرتَ أنت كاتبًا مشهورًا، لا تنسَ أن تكتب عني.

أجبته مازحًا:

— سأكتب عنك حين تصبح لاعبًا معروفًا.

لم أكن أعرف أن الحياة ستقلب الأدوار بيننا؛ سأكتب عنه بعد رحيله، لا لأنه صار نجمًا تتغنى الجماهير باسمه، بل لأنه صار صديقًا لا أستطيع استعادته إلا بالكلمات.

وفي مرة أخرى، ونحن عائدان من الملعب، قال لي:

— أتدري يا صاحبي؟ كنت أريد أن ألعب في نادٍ جماهيري، لكن الأوراق سبقتني.

قلت له:

— ما زال أمامك وقت يا كريم.

ابتسم ابتسامته الخجولة، ثم قال:

— الحرب لا تنتظر أحدًا.

لم أجد ما أقوله.. , كنا نعرف أن الحرب تأخذ الشباب من بيوتهم، لكننا لم نكن نعرف كيف نتحدث عن ذلك من دون أن نشعر بأننا نتحدث عن أنفسنا.. , ضحكنا ومضينا، وربما كان في ضحكتنا شيء من محاولة تأجيل الخوف، لا أكثر.

كان كريم يعرف أن أمه لا تنام مطمئنة إلا إذا سمعت صوته، وأن أختيه تنتظرانه، وأن أباه الذي ذهب إلى الشمال لم يعد.. , وحين جلسنا ذات يوم أمام دارهم، أخبرني أن أمه طلبت منه ألا يذهب الى الجبهة .

قال:

— أمي تقول لي: لا تذهب يا كريم، أنت وحيدي.

سألته:

— وماذا قلت لها؟

أجاب:

— قلت لها إن كل الشباب ذاهبون، وإنني رجل.

ثم سكت قليلًا.. , لم تكن ابتسامته هذه المرة كما عرفتها في الملعب.. , نظر إليّ وقال بصوت خافت:

— لكنني كذبت يا صاحبي.. , أنا خائف.. , أخاف أن أموت، وأخاف أكثر أن أموت وأتركها وحدها.

لم أحاول أن أواسيه بكلمات كبيرة.. , كنت أعرف أنه لا ينتظر مني جوابًا، وأن خوفه لا يحتاج إلى من ينفيه أو يقلل من شأنه.. , كان يتحدث عن أمه، وعن نفسه، وعن حياة يعرف أنها قد تُنتزع منه قبل أن تبدأ كما يريد.

لم أكن أملك يومها ما أقدمه له سوى الصداقة، ولا كنت أعرف أن هذه الكلمات ستبقى معي كل تلك السنوات، وأنني سأعود إليها كلما تذكرت وجهه.

في الثالث من تشرين الثاني عام 1983، بحسب ما ترويه ذاكرة فاضل الفرطوسي وأهل القطاع ، استشهد كريم.

وبقي جثمانه مخفيًا في مستشفى معسكر الرشيد ستة عشر يومًا، حتى عاد إلى أهله في التاسع عشر من الشهر نفسه.. , ستة عشر يومًا تفصل بين الموت وعودة الجثمان، لكنها في حياة أسرته كانت زمنًا آخر، زمنًا معلّقًا بين انتظار الخبر ومحاولة استيعاب ما حدث.

لا أعرف كيف مرت تلك الأيام على أمه، ولا أستطيع أن أجزم بما دار في نفسها خلالها. أعرف فقط أن كريم، حين عاد، لم يعد كما خرج؛ عاد جثمانًا يحمل نهاية شاب لم يكن قد أكمل أحلامه، وترك وراءه بيتًا لم يعد يشبه البيت الذي غادره.

في ذلك الوقت كنت طالبًا في الكلية العسكرية، وكنت متجهًا للالتحاق بمدرسة المشاة في الموصل.. , نزلت من سيارة النقل بالقرب من شارع مريدي، ومضيت باتجاه الطريق المؤدي إلى الموصل، أحمل حقيبتي وأفكر في الدراسة والتدريب وما ينتظرني في الأيام المقبلة.

وحين اقتربت من صيدلية الطائف، عند ركن الشارع، رأيت فاتحة أمام دار كريم.

توقفت.

لم أحتج إلى أن أسأل أحدًا.. , كانت الوجوه الشاحبة، والكراسي المتراصة، والعباءات السوداء، وحركة الداخلين والخارجين، تقول ما لم أكن مستعدًا لسماعه.

قلت في نفسي: لا، ليس كريم.

ظللت أنظر إلى البيت، كأنني أنتظر أن يظهر أحدهم ويخبرني أنني أخطأت العنوان، وأن الفاتحة تخص شخصًا آخر.. , كيف يمكن للشاب الذي تركته يركض خلف الكرة أن يصبح الآن موضوع مجلس عزاء؟

وكيف يمكن لوجه أعرفه، وصوت سمعته قبل مدة، أن يتحولا فجأة إلى ذكرى؟

حاولت أن أتابع طريقي، لكنني شعرت بأن المسافة إلى سيارة النقل قد طالت على نحو لم أعرفه من قبل.. , كانت الساعة تقارب التاسعة ليلًا، والمدينة تمضي في حياتها: سيارات تمر، وأبواب تُغلق، وأناس يعودون إلى بيوتهم.. , وحده ذلك البيت بدا كأنه توقف عند لحظة لا يستطيع تجاوزها.

وقفت بعيدًا، عاجزًا عن الاقتراب.. , كنت ذاهبًا إلى مؤسسة عسكرية، إلى المكان الذي ستُدفع فيه أجساد الشباب نحو خطوط النار، ولم أكن أملك لصديقي الذي رحل إلا دعاءً صامتًا.

لم أعرف كيف أودعه، ولا كيف أنظر إلى أمه وأختيه.. , لم أكن أعرف ماذا يمكن أن يقول المرء لأم فقدت زوجها من قبل، ثم عاد إليها ابنها الوحيد جثمانًا.. , أي كلام يستطيع أن يخفف عنها؟

وأي عزاء يمكن أن يعيد إلى البيت صوتًا كان جزءًا من حياته اليومية؟

واصلت طريقي إلى الموصل، لكن شيئًا مني بقي هناك، أمام ذلك الباب.

لم يكن كريم وحده من دفع حياته ثمنًا للحرب.. , قبله رحل أبوه، وبعده رحل شباب آخرون، وعادت أسر كثيرة إلى بيوت لم يعد فيها من ينتظر أبناءها.. , بعضهم عاد محمولًا في التوابيت، وبعضهم عاد حيًّا بجسده، لكنه حمل من الجبهة ما لم يستطع أن يتركه خلفه.

أما أم كريم، فقد وجدت نفسها أمام فقدين متعاقبين: زوج سبقها إلى الغياب، وابن وحيد كان يمثل لها ما بقي من أمل في المستقبل.

كان لعلي، ابن أختها، بيت يمكن أن يأويها.. , وقد أكرمها وقدّرها، ولم يقصر في حقها.. , لكن أم كريم كانت عزيزة النفس، لا تريد أن تتحول من صاحبة بيت إلى ضيفة دائمة، ولا أن تشعر بأن وجودها صار عبئًا على أحد، مهما كانت المحبة وصلة القرابة.

قال لها علي:

— خالة، هذا بيتك، وأنتِ لستِ غريبة عنا.. , ابقي هنا، ولا تفكري في الإيجار أو في التعب.

أجابته:

— الله يخليك يا ولدي، ما قصرت.. , أنت وأهلك أهل كرم، لكنني أريد بيتًا أعيش فيه مع بناتي، وأدبر أمري ما استطعت.

حاول أن يقنعها بالبقاء، لكنها فضّلت أن تستقل ببيت صغير، وأن تحافظ على المساحة التي تستطيع فيها أن تعيش وفق طريقتها، بعيدًا عن شعور قد يثقل عليها، حتى لو لم يصدر من أحد.

انتقلت من بيت إيجار إلى آخر، تحمل معها ما بقي من أثاثها وصور زوجها وذكرياتها.. , لم تكن بحاجة إلى صندوق تحفظ فيه أشياء كريم؛ فقد كانت ذكراه تظهر لها في تفاصيل لا تحتاج إلى ترتيب: عند الباب، وفي زاوية الغرفة، وفي صوت شاب يمر في الزقاق ويشبهه للحظة.

كانت البيوت تتغير، لكن الذكريات لم تكن تتغير معها.

كانت تتذكره وهو يعود من الملعب، يطلب الماء، ثم يجلس ليحكي عن كرة القدم.. , وكانت تستعيد، بين حين وآخر، أيامه الأولى، حين كان طفلًا يتعلم المشي، ثم شابًا يحمل كتبه، ثم لاعبًا يخرج إلى الملعب وهو يظن أن المستقبل ينتظره.

وفي بعض الأيام، كانت تسأل ابنتها مريم:

— تتذكرين كريم يوم كان يرجع من الملعب؟ كان يدخل وهو يضحك، ويطلب الماي، ثم يقعد يحچيلنا عن الطوبة.

فتجيبها مريم:

— إي يمّه، أتذكره.

عندها كانت الأم تسكت.. , لم تكن تحتاج إلى حديث طويل؛ يكفي أن تجد شخصًا يشاركها ذكرى صغيرة، أن تعرف أن كريم لم يبقَ حيًّا في قلبها وحدها.

لكن الذاكرة لا تمنح أصحابها ما فقدوه، ولا تعيد إليهم من غابوا.. , كانت تعرف أن كريم لن يدخل من الباب، ومع ذلك بقيت تفاصيله حاضرة في حياتها، كأن البيت يحتفظ بمكان لا يستطيع أحد أن يشغله.

مرت السنوات، وكان عليها أن تتعلم العيش مع غياب لا يتراجع.. , ترى أمهات يرافقن أبناءهن إلى الأسواق، ويعاتبنهم على التأخر، وينتظرن عودتهم في المساء، فتتذكر أن لها ابنًا كان يمكن أن يكون واحدًا من هؤلاء.

لم تكن تحتاج إلى مناسبة كي تتذكره.. , أحيانًا يكفي أن ترى شابًا طويل القامة يمشي في الشارع، فتلتفت إليه قبل أن تكتشف أنه غريب.. , وأحيانًا تسمع ضحكة في زقاق، فتبحث عنها في ذاكرتها، ثم تعود إلى ما كانت تفعله.

لم تكن تبكي كريم وحده، بل كانت تستعيد معه مستقبلًا لم يتحقق: لاعبًا ربما وصل إلى نادٍ جماهيري، وبيتًا ربما أسسه، وزوجة ربما أحبها، وأطفالًا ربما نادَوها جدّة.. , لم تكن تلك الأشياء قد حدثت، لكنها كانت احتمالات مفتوحة قبل أن يغلق الموت أبوابها.

وهذه واحدة من أقسى خسارات الحرب: أنها لا تنهي حياة الإنسان وحده، بل تنهي أيضًا حيوات أخرى كان يمكن أن تنشأ من حياته.

أما أختا كريم، فقد فقدتا أخاهما الوحيد، الذي كان يمكن أن يكون سندًا لهما حين تضيق الدنيا. مضت كل منهما في طريقها، لكن غيابه ظل جزءًا من حكاية الأسرة، واسمًا يعود في أحاديثها، وذكرى لا تحتاج إلى مناسبة كي تظهر.

كانت الأم تحاول أن تخفف عنهما، كما لو أنها ما زالت تؤدي دورها القديم في حمايتهما من قسوة الحياة، رغم أنها هي نفسها كانت تحتاج إلى من يخفف عنها… ؛ وحين يشتد عليها الحزن، لم تكن تملك سوى الدعاء، أو استعادة ذكرى، أو صمت طويل لا يعرف من حولها ما الذي يجري في داخله.

ومع مرور الزمن، أخذ جسدها يضعف.. , كانت قد تحملت فقد الزوج، ثم فقد الابن، وعاشت سنوات تتنقل بين البيوت وتحاول تدبير شؤونها وحفظ كرامتها.. , لا أستطيع أن أقول إن الحزن وحده أنهى حياتها، لكنني أعرف أن الفقد ظل جزءًا ثقيلًا من عمرها، وأنها رحلت بعد سنوات لم تستطع فيها استعادة ما أخذته الحرب منها.

رحلت الأم، وبقيت ابنتاها تحملان ذكرياتها وذكرى أخيهما.. , وبقيت حكاية امرأة لم تطلب من الدنيا سوى أن ترى أبناءها يكبرون، وأن تعيش ما تبقى من عمرها في بيت تشعر بأنه بيتها.

لم يكن موت كريم نهاية الحكاية؛ فقد امتد أثره في حياة من أحبوه، وفي البيوت التي سكنتها أمه، وفي ذاكرة صديقه الذي ظل يعود إلى ذلك المساء، كلما مرّ تشرين الثاني أو استعاد أيام الشباب.

مرت أعوام طويلة، لكنني كلما تذكرت كريم عاد إليّ الملجأ.

أراه كما كان، في ذلك المكان الذي جمعنا عام 1982، قبل أن تفرقنا الحرب وطرق الحياة. أتذكر أننا كنا نختبئ تحت سقف لا يستطيع أن يمنحنا سوى حماية مؤقتة، فيما كان الخوف يجلس معنا، وكانت أصوات الحرب تذكرنا بأن الحياة قد تتغير في لحظة، من دون أن تستأذن أحلامنا.

لم أكن أتصور أنني سأبقى أحمل هذه الذكرى كل تلك السنوات، وأن كريمًا سيغدو شخصًا أستعيده في كل مرة أفكر فيها بما ضاع منا، وبما كان يمكن أن نكون عليه لو أن الحياة سارت في طريق آخر.

أحيانًا أغمض عينيّ، فأراه واقفًا في الملعب، طويلًا، مهذبًا، يبتسم ويطلب مني أن ألعب معه. أسمع صوته، وأرى الكرة تتدحرج بين أقدامنا، وأستعيد تلك الأيام التي كنا نظن فيها أن المستقبل مساحة مفتوحة، وأن ما نريده ليس بعيد المنال.

ثم أفتح عينيّ، فأجد أن السنوات مضت، وأنني كبرت، وأن صديقي لم يعد، وأن أمه التي انتظرته طويلًا رحلت هي الأخرى.

أسأل نفسي أحيانًا: ماذا بقي من تلك الحرب سوى الأسماء والذكريات والبيوت التي تغيرت حكاياتها؟

كم أمًّا انتظرت ابنها ولم يعد؟

وكم شابًا ترك حلمًا صغيرًا خلفه، ثم صار اسمه خبرًا في بيت من بيوت العراق؟

لا أملك جوابًا يعيد شيئًا مما ضاع.. , أعرف فقط أن الموت، حين يقع، لا يبقى محصورًا في اللحظة التي يحدث فيها؛ إنه يواصل حضوره في حياة الآخرين، في المناسبات التي يغيب عنها الراحل، وفي المقاعد التي تبقى فارغة، وفي الأحاديث التي تبدأ باسمه ثم تنتهي بصمت.

ولعل هذا ما يجعل الذاكرة عبئًا ونعمة في آن واحد: إنها لا تعيد الموتى، لكنها تمنعهم من التحول إلى غرباء عن حياتنا.

كلما مرّ شهر تشرين الثاني، عدت بذاكرتي إلى ذلك المساء، إلى شارع مريدي، وصيدلية الطائف، والباب الذي رأيت أمامه الفاتحة.. , وأتذكر كريمًا، وأباه الذي سبقه إلى الغياب، وأمه التي عاشت سنوات وهي تحمل ذكراه، وأختيه اللتين بقيتا بعده.

أقرأ الفاتحة على أرواحهم، وعلى أرواح الذين أخذتهم الحروب من بيوتهم، وتركت وراءهم أمهات لا يجدن في الليل من يجيب نداءهن، وأصدقاء يحملون حكايات لم تتح لهم فرصة إكمالها.

يا كريم، يا صديقي الطيب، لم تصبح لاعبًا في نادٍ جماهيري كما تمنيت لك، ولم أكتب عنك لأن الجماهير تعالت اصواتها يومًا باسمك… ؛ أكتب عنك الآن لأنك كنت إنسانًا له أحلامه الصغيرة، ولأن حياتك كانت تستحق أن تُعاش، ولأنني لا أريد لاسمك أن يبقى حبيس ذكرى شخصية لا يعرفها أحد.

أكتب عنك لأستعيد شيئًا من الأيام التي جمعتنا، ولأحفظ ما بقي من حكايتك، ولأقول إن وراء كل اسم غاب عالمًا كاملًا، وإن الذين رحلوا في الحروب لم يكونوا أرقامًا؛ كانوا أصدقاء وأبناء وإخوة، وكان لكل واحد منهم باب ينتظره وبيت يفتقده ومستقبل لم يكتمل.

لقد نجوتُ من الملجأ، يا كريم، لكنني لم أنجُ من ذكراك.

ما زلت أراك في الملعب، وأسمع ضحكتك، وأتذكر حديثنا عن المستقبل.. , وما زلت، كلما مرّ اسمك في خاطري، أقرأ الفاتحة على روحك، ثم أترك للصمت أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله.

فبعض الموتى لا يغادروننا تمامًا؛ يتركون في حياتنا مكانًا لا يشغله أحد، وصوتًا لا يشيخ، وذكرى تعيدنا، بعد كل هذه السنوات، إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.

إلى الملجأ، حيث كنا معًا، ولم نكن نعرف أن أحدنا سيخرج منه ليكمل العمر حاملًا ذكرى الآخر.

صديقك المخلص : محمد فتاح .

اترك رد