841,577,0,0.5757894736842105,-1

التظاهرات الشعبية في أوروبا: الشركات الكبرى مصّاصو جهود الإنسان الغربي….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لا تنشأ التظاهرات الشعبية في أوروبا من فراغ؛ فخلفها أزمات تمسّ حياة الناس اليومية، من غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية إلى تدنّي الأجور وتزايد أعباء العمل. وفي قلب هذه الأزمات تقف الشركات الكبرى، التي تجعل تعظيم الأرباح أولويةً تتقدم على حقوق العامل وحاجات المجتمع.
تستنزف هذه الشركات جهد العامل ووقته، من دون أن تمنحه دائمًا أجرًا يتناسب مع ما ينتجه من ثروة. يعمل الإنسان ساعات طويلة لتأمين متطلبات حياته، ثم يجد أن دخله لا يواكب ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والطاقة. وفي المقابل، تواصل الشركات توسيع أرباحها، وقد تخفض نفقاتها على حساب الأجور وظروف العمل والاستقرار الوظيفي. وهكذا يتحول العامل إلى وسيلة لإنتاج الثروة، من دون أن ينال نصيبًا عادلًا منها.
ولا يقتصر نفوذ الشركات الكبرى على أماكن العمل؛ فهي تؤثر في الأسواق، وتسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتمتلك قدرة كبيرة على التأثير في القرارات والسياسات بما يخدم مصالحها. وحين تتقدم أرباحها على حاجات المجتمع، يتحمل المواطن جانبًا كبيرًا من كلفة الأزمات، بينما تحافظ الشركات على مكاسبها. لذلك يصعب فصل الغلاء وتراجع مستوى المعيشة عن نظام اقتصادي يسمح بتراكم الثروة لدى قلة، فيما تتآكل دخول العاملين وتتزايد أعباؤهم.
من هنا، لا تكون التظاهرات الشعبية مجرد اعتراض على قرار حكومي أو مطالبة بمكسب عاجل؛ إنها احتجاج على واقع يشعر فيه الناس بأن جهدهم يُستنزف، وأن ثمار عملهم تذهب إلى الشركات الكبرى، بينما يُطلب منهم تحمّل المزيد من الضغوط. فالعامل الذي يطالب بأجر منصف وظروف عمل تحفظ كرامته، والمواطن الذي يحتج على غلاء المعيشة، يعكسان وجهين لأزمة واحدة: تغوّل المصالح الاقتصادية على حقوق الإنسان.
وتلخّص عبارة «الشركات الكبرى مصّاصو جهود الإنسان الغربي»، بحدّتها، شعورًا بالاستغلال؛ فهذه الشركات تنتفع بوقت العامل وطاقته وإنتاجه، ثم تتركه يواجه تكاليف الحياة بأجر لا يكفي دائمًا لتأمين العيش الكريم. وفي ظل هذا الواقع، يغدو الإنسان أداة لزيادة الأرباح بدل أن يكون غايةً للتنمية.
وتكشف التظاهرات المتكررة أن الخلل لم يعد شأنًا فرديًا يخص عاملًا أو فئة بعينها، بل أصبح أزمة اجتماعية واسعة. ولا تُعالج هذه الأزمة بدعوة الناس إلى الصبر أو مطالبتهم بإنهاء احتجاجاتهم ما دامت أسبابها قائمة. تبدأ المعالجة بإعادة الاعتبار إلى حقوق العامل، وضمان الأجور العادلة، والحد من نفوذ الشركات الكبرى حين يتعارض مع المصلحة العامة.
وحين تتقدم الأرباح على الإنسان، يصبح الاحتجاج تعبيرًا عن رفض الاستنزاف ومطالبةً بالإنصاف. فجهد الإنسان ليس ملكًا للشركات الكبرى، والعمل الذي يصنع الثروة ينبغي أن يضمن لصاحبه حياة كريمة، لا أن يتركه يواجه الأزمات التي تسهم مصالح تلك الشركات في تفاقمها…

اترك رد