منبر العراق الحر :
يكاد لا يخلو أي عمل يطرحه الفنان محمد رمضان من إثارة الجدل، ويتكرر ذلك سنوياً حول أعماله المعروضة خلال موسم رمضان، ويحمل غالبية الهجوم اتهامات بنشر البلطجة والعبث بالقيم المجتمعية، ومع ذلك تحظى أعماله بالاهتمام والمشاهدة وتكون جزءاً من مناقشات وترند مواقع التواصل الاجتماعي.
يشارك رمضان في الموسم الحالي من خلال مسلسل “جعفر العمدة”، وتدور أحداثه في إطار اجتماعي شعبي، حول جعفر، المتزوج من أربع سيدات، وهو ثري ثراء فاحشاً، ويمتلك عدداً من الشركات ويدخل فى العديد من الصراعات سواء فى عمله أو حياته، كما يعيش مأساة تستمر سنوات عدة بعد فقدان ابنه واختطافه من قِبل مجهولين، ولا يعرف إذا ما كان حياً أو ميتاً.
على رغم الاختلاف والهجوم والجدل، جاء رمضان في صدارة المنافسين في هذا الموسم الدرامي، إذ حظى “جعفر العمدة” بقدرٍ من النجاح على المستوى الجماهيري، فالمسلسل يضم خلطة تجتذب قطاعاً عريضاًُ من الجمهور المصري، كما أن أحداثه متجددة من دون مط أو تطويل، إضافة إلى تنوع الشخصيات.
اللافت هو حالة التفاعل والمتابعة ليس فقط من جانب جمهور رمضان التقليدي، بل من فئات أخرى بعضها ينتمي الى طبقة المثقفين، وهو ما رصده “النهار العربي” على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تداول عدد من رواد التواصل الاجتماعي منشورات يجاهرون بمتابعتهم وشغفهم بالمسلسل وحرصهم على مشاهدته، رغم أنهم قد يلاقون انتقاداً جراء ذلك وبينهم الكاتب الصحافي وائل لطفي الذي كتب على صفحته الفايسبوكية: “أنا بقيت اقعد استنى (انتظر) مسلسل جعفر العمدة … كفاية (كفى) خوف من المجتمع”.
النمطية سبب النجاح
يشكل الفنان محمد رمضان والمخرج محمد سامي ثنائياً فنياً مثيراً للجدل، ويبدو من أعمالهما المشتركة أنهما لا يباليان بالانتقادات والهجوم المرتقب سنوياً، ولا يبتغيان رضا النقاد أو الجمهور النخبوي، بل يتوجهان لشريحة معينة من خارج كل تلك التصنيفات، جمهور لا يبتغي عملاً ذا معنى وهدف عميق، ولا تعنيه رسالة العمل أو الدروس والعبر المستفادة بل جمهور يبحث فقط عن التسلية والمتعة بالطريقة المناسبة له، عبر مشاهدة مسلسل مسلٍ فقط؛ وهذا هو الجمهور المعتاد للفنان الشاب.
قد تكون قصة “جعفر العمدة” مكررة وأحداثها متوقعة؛ فالمسلسل دراما شعبية لا جديد أو ابتكار فيها، لكنّ كثيرين من المتابعين لم يجدوا تفسيراً لشغفهم بمتابعته وانتظاره يومياً، وربما يكون سرّ نجاحه هو نمطيته الشديدة، فالجمهور يريد الاسترخاء العقلي وسط طاحونة الحياة، والمشاهدة لمجرد المشاهدة والتسلية بعيداً من القضايا المعقدة التي يتفاعل معها ويتأثر بها، وترهق نفسيته وعقله. فهو لا يريد حل مشكلات العالم ولا إصلاح الكون فقط يريد المشاهدة، بعيداً من إدعاء المثالية أو التنظير، فهو يشاهدها وهو يعلم أنها مجرد خيال الكاتب وصانعي العمل.
وهذا ليس دفاعاً عن العمل ولكن محاولة لتفسير سر نجاح المسلسل ومتابعة الجمهور له، وهي خلطة يجيد صناعتها الثنائي رمضان وسامي، فهما يبحثان عن هوى المشاهد من دون الانشغال بقيمة العمل ورسالته.

يأتي أبطال العمل في أدوارهم من العوامل الجاذبة في مسلسل “جعفر العمدة”، وتعدّ البطولة النسائية مهمة في هذا السياق، خصوصاً المباراة التمثيلية بين الزوجات الأربع والأم، والتي يتولد منها الكثير من المواقف الكوميدية التلقائية.
تقوم الفنانة هالة صدقي بدور والدة جعفر، وبهذا الدور تصل صدقي الى قمة الجرأة الفنية، فقد أقدمت على قبول دور “الأم- الحاجة صفية” لرجال كبار تخطوا الخمسين عاماً وهي جرأة تحسب لها.
ورغم الاختلاف الواضح بين الحاجة صفية وهالة صدقي، وضعت فيها خبرتها الفنية وخرج أداؤها بتلقائية وتمكنت من صنع كاركتير خاص بتوليفة مختلفة وجذابة وكوميدية أحياناً، وهي صاحبة الحكمة أحياناً أخرى، وهو نموذج قد نصادفه “للحماة” في الواقع خصوصاً في الأوساط الشعبية، فهي القوية المستبدة ورقيقة القلب في آن ويعد هذا الدور بداية لمرحلة جديدة من حياتها الفنية.
تركت مي كسّاب (ثريا الزوجة الأولى لجعفر العمدة) بصمة مميزة وحضوراً لافتاً يجعل دورها أحد أبرز الأدوار ضمن العمل وخصوصاً بين زوجاته الأربع، كما تقدّم إيمان العاصي أداءً ناضجاً ودوراً مختلفاً على الأنماط التي اعتادت تقديمها، ورغم أن زينة (الزوجة الرابعة لجعفر) نجمة العمل أمام محمد رمضان، لكنها قدمت أداءً باهتاً لا جديد فيه.
كما كان المسلسل فرصة لتسليط الضوء على ممثلين مخضرمين ولكن لم يأخذوا حقهم من الشهرة وبينهم الفنان أحمد فهيم في دور سيد، الشقيق الأكبر لجعفر، ويعد الدور إعادة لاكتشاف لموهبة هذا الممثل القدير، وسيكون باباً لمزيد من الأدوار المميزة، إذ لفت الفنان أحمد فهيم الأنظار بهذا العمل، رغم أنه غير معروف، وفي هذا الدور تجمعه علاقة معقدة بجعفر، فهو الشقيق الأكبر (لكنه الأضعف) أمام سطوة شقيقه الأصغر، وهو أيضاً خانع أمام حبّه لزوجته الجميلة الشابة التي تستغلّ ذلك، ولاقى فهيم إشادة واسعة من الجمهور والنقّاد، عزّزه ظهوره في مسلسل “عملة نادرة” في دور مختلف جسد خلاله شخصية الرجل الصعيدي الفظ الشرير.
إمتهان المرأة
وجهت انتقادات حادة للعمل بسبب قضية “تعدد الزوجات”، وأن المسلسل تقليد لمسلسل نور الشريف “عائلة الحاج متولي”، فجعفر هو زوج لأربع نساء يتهافتن عليه ويتشاجرن للتقرّب منه وإرضائه، مع وجود جدول أسبوعي للقائه، إضافة إلى تعرضهن للإهانة والضرب أحياناً.
واجه صنّاع المسلسل تهمة ترويج ثقافة “تعدد الزوجات”، والدعوة لإهدار كرامة المرأة والإساءة إليها، كما انتقد متابعون صمت المجلس القومي للمرأة في مصر (حكومي) عن ذلك وهو الذي يبدي رأيه في كل أشكال الدراما التي تتضمن أي تلميح أو إساءة للمرأة، ويرون أن المسلسل يمثل إهانة للمرأة المصرية، بل يدمر جهود الدولة المصرية في مجال حقوق المرأة.
بطل شعبي
كعادة أدوار محمد رمضان، يضم المسلسل الكثير من مشاهد الأكشن والضرب. بطل العمل هو جعفر يتصف بقوة بدنية لافتة ضمن الأحداث، ويرى متابعون أن المسلسل يروج للبلطجة ويضرب بمبدأ سيادة دولة القانون عرض الحائط، ويهدم القيم الأخلاقية للمجتمع، إذ يظهر جعفر بطل المسسل، وهو يتشاجر ويضرب من يغضب عليه وهو قادر على اقتحام شركات كبرى، حيث يتضمن المسلسل الكثير من المشاجرات التي يتفوق فيها رمضان على خصومه، ليقدم نفسه ضمن الأحداث بصورة البطل الخارق الذي لا يهزمه أحد.
يظهر رمضان بأدائه المتعارف عليه، والانفعلات ذاتها في كل أعماله من دون جديد يُذكر، ومن دون أن يخرج عن القالب الذي وضع به نفسه، ومع ذلك ما زال بعضهم يرى أنّ محمد رمضان لدية طاقة وموهبة لم تُستغل بعد في أدوار أخرى متنوعة غير تلك التي يقدمها، وهو بحاجة إلى فريق عمل ومخرج يجيد إدارة هذه الموهبة.
مسلسل “جعفر العمدة”، من بطولة الفنان محمد رمضان، منة فضالي، زينة، إيمان العاصي، مي كساب، هالة صدقي وأحمد داش، ومنذر ريحانة، وإخراج محمد سامي، وشارك في السيناريو والحوار مهاب طارق وإنتاج شركة ميديا هب سعدي – جوهر.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر