منبر العراق الحر :
حدثينا أيتها القصور ماهو جديدك ؟ فكل ما ملكتِ من جوار وخمار وقمار سترمي بمترفيها في مزابل التأريخ ، من قال إن الأشياء لها علاقة بالزمن؟ وهل الزمن شيء؟ أين انعكاسه؟ ، ماهيته ، أثره في ذلك الشيء ، إنَّه ليس سوى مقياس موضوع لشيء نريد أن نحدده ، فتغيير الأشياء ليست مرتبطة بالزمن ، ولكنها مرتبطة بعوامل وتداعيات تحكمها خصائص الشيء نفسه ، لابد أن تعمى وتبلى يوما ما ثم تفنى .
بعدما صحا من غفلته هذه ، استدعى إبنه الكبير ليركب معه في سيارته ، أخذ ولده يقود السيارة ولم يعرف وجهته ، لكنه يسترشد بإيماءات أبيه التي تأتي متأخرة ، يتوقف لحظيّاً في الاستدارات عندما تأتي إشارة أبيه متأخرة ، إنَّه ابنٌ بار ، لا يفكر أن يسأل أباه عما يدور في خلده ، كي لا يفهم منه أبوه عدم الفهم هذا ، هو نوع آخر من العقوق ، مرَّت السيارة بطرق ملتوية بمحاذاة نهر الفرات ، حيث النخيل الذي يقف كجيوش تؤدي التحية والسلام ، وسعف النخيل الذي ينحني بتواضع أمام نسيم الشمال ، وأشجار الليمون والرمان والسِّدرِ غير المخضود ، أشجارٌ لم تمشط جدائلها المغبرة وظلٌ محدود غير ممدود يمتد على بسط خضراء وهديل حمام تنوح بصوت مبحوح وعصافير تزقزق بلا هوادة وبلابل تغني بلا فجر ، النوارس بلا مناقير ، والقيعان بلا بط ، حقولٌ غيرت مهنتها بعد أن طلب النخيل تقاعدا قبل كهولته ، ثم طلب من ابنه أن يستدير ويمشي بمحاذاة نهر صغير متفرع من الفرات ، تمتد على صوبيه قناطر من جذوع النخل ، تتمايل على جانبي ذلك النهر شجيرات تلاصق ماء النهر تسمى (الغَرَب) ، توقف عند حافة بستان مجهول بالنسبة لولده ، معلوم جدا عند أبيه ، فقَدَ نصف نخيله بحرب البسوس والنصف الآخر تعبث فيه ديدان السوس ، جلس على ركبتيه ودموع هاطلة استسقتها صلاةٌ من ذكريات مضت ولن تعود ، انهمرت تغسل خديه على ما فات ، قال لابنه اغرس يدك في تلك التربة وهاتها لأشمّها ، وأنت مثلي أيضا شمّها ، وقم بنا إلى ذلك النهر ، مد يدك فيه واشرب منه ودعني اشرب مثلك ، ثم قال له : سوف يتغير في هذا العالم كل شيء إلا الماء والتراب …!…كريم خلف جبر
منبر العراق الحر منبر العراق الحر