قصة واقعية …..كريم خلف الغالبي

منبر العراق الحر :

بين حين وآخر تطغى مياه نهر الفرات لتجتاح قرى الجنوب ، فتغرق محاصيلهم وتضيع في بطون الأسماك والحيتان فلربما هي تلبية لدعوة سمكة انهكها الجوع في جوف برك قاحلة ، الحكومة آنذاك دعت أبناء قريتنا لتعويضهم بكيسين من الطحين وأربع علب من الجبن الأصفر ، طلبت والدتي مني الذهاب معهم إلى مركز في سوق الشيوخ , يبعد عن قريتنا 15 كيلو متر لإدراج اسمي ضمن العوائل المتضررة ، النقيب الذي دخلت عليه للمسائلة عن دقة المعلومات وزيفها ، لم يقرأ العوز والخجل في وجهي بل كان مشغولا بنجماته التي إلتمعت في عيني كشعاع انعكس من موجة مياه شاردة بأول خيط ظلام قبيل الغروب ، أخذ يطقطق على خشب مكتبه بأسفل قلمه وسألني : إنك صغير بعمر العشر سنوات فأين أبوك ؟ قلت له متوفي وأنا أكبر أولاده ونحن عائلة كمثل تلك العوائل التي دونتَ اسمائها ، صرخ بوجهي وطردني لأعود إلى أمي فارغ اليدين, أبناء القرية الطيبون عادوا ولم يدخلوا بيوتهم إلا بعد أن وقفت سفنهم حول بيتنا ، يتدافعون فيما بينهم ، كل واحد منهم يريد أن يتبرع بنصف حصته لنا قبل الآخر ، لينال جائزة الفوز بالعطاء والكرم والجود المتأصل في نفوسهم ، إلا أن كبيرهم منعهم ليتبرع بكامل حصته لنا .
في يوم آخر من سنة أخرى اجتاحتنا مياه نهر الفرات لتغرق البيوت جميعا ، جاءتنا سفينة مسرعة لينقلنا صاحبها الى أرض واسعة عصية على الفيضان ثم عاد إلى أهله العائمين في المياه أكثر من 6 ساعات لينقلهم إلى تلك الأرض الموعودة ، وقفت أمي على ضفاف الهور الذي يمتد كبحر محيط مجهول قبيل الغروب بإتجاه القبلة ولا أعرف كيف عرفت الإتجاه بلا بوصلة ولا مرشد ، تناجي ربها بصوت ليس خفيا “الآن وبعد أن هيّأت لنا سفينة النجاة أرسل لنا قوتا لأطفالي اليتامى” لم تمض ساعة واحدة وبعد صلاة الغروب , جاء شخص لم أعرفه يسأل عنا , وحين وجدنا بين الجموع المتفرقة بعد التي واللتيا ، اصطحب أمي وأنا ماسكا بطرف عباءتها إلى سفينة منتصبة الصدر على ساحل الهور ليسحل منها كيسا من الطحين وآخر من الرز العنبر ، ووضعهما على اليابسة ثم رحل وأنا أنظر إليه مختفيا بين موجات المياه وظلام الليل ، أمي اقتطعت حصة مما عندها وطلبت مني إرسالها إلى صديقتها الفاقدة لزوجها ولديها ثلاثة أيتام أيضا ، قلت لها لماذا الناس تذكرنا ولم يذكروا تلك المرأة ؟ قالت نحن نختلف ، لأننا من ذرية رسول الله وعلي والحسين ، أطلقْتُ آهة بحجم الكون وقلتُ في نفسي ، سلام الله عليك يا رسول الله ، مازلت تطعم ذريتك المعوزين حتى بعد أكثر من 1400 سنة .
القصة واقعية ولم تكن من الخيال ..!
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏ابتسام‏‏
كل التفاعلات:

Sadiq Hassan، وجبار حسين ال مجبل و١٢ شخصًا آخر

اترك رد