في رهبة عتمة….هدى الجلاب

منبر العراق الحر :
في رهبة عتمة تتفرعن
تتربع و تستطيل
هواجس تزحف على مهل
كَمْ كَانَ بِودّي أنْ أتعلّمَ التفصيل و الخياطة
طلبتُ مِن والدي أكثر مِن مرّة أنْ أجلسَ فترة
عند جارتنا الخياطة
في الطابق الثالث
كنت أرقبها حين أطلع إلى أسطوح البناية لنشر الغسيل لوالدتي
تجلسُ الخياطة في الصالون الكبير
الباب على مصراعيه
كونها في الطابق الأخير
لا يصعد درجها إلاّ أقاربها و بنات البناية لنشر الغسيل
كان القماش دائماً على الأرض يُغريني
مع المقص الكبير
و المغناطيس و الدبابيس
مع صابون أبيض لتحديد القياس المطلوب
تبتسم في وجهي بحنان
– تعالي متى أردتِ مستعدة لتعليمك
يا ابنتي
كانت حميدة جارتنا سريعة البديهة
أراها قرأت رغبتي قبل البوح
أصرّ والدي أنْ أتعلم مصلحة أمّي في الحلاقة و التجميل
يقول لي أمّك تحتاجك أكثر
تعلمت مهنة والدتي مُرغمة
لكنّني لمْ أستمرّ
كانت الدراسة تشغلني أغلب الوقت
في عطلة الصيف
كنت أقضي الوقت عابثة
أضيّع وقتي في الرقص و الغناء
أرسمُ أحياناً
و أبعثرُ وريقات
أكتبُ عليها ما اتفق
مِن سطور عابرة
في رأس فارغة مشغولة تحلم
تسرح و تغيب عن أرض الواقع المحدود
بحواجز مصنوعة
مِن قِبل الأهل
و المجتمع المُحيط
اليوم بيدي جاكيت جوخ قديم لا ألبسه
رُبّما صرت أسمن عن ذي قبل مِن الجلوس الطويل
حين أقرأ
و أكتب على كمبيوتري القديم
لو أستطيع تحويل
ذلك الجاكيت إلى شيء أستفيد مِنه
ليت أبي تركني بعض وقت على حريتي
لكنت خياطة ماهرة
في رأسي أعشق تحويل القطع القديمة
رُبمّا إلى وجه وسادة أو ما شابه مِن مستلزمات صارت بثمن لا يتوقعه مخلوق
أنْ يصلَ إلى هذا السعر الغريب
رحمك الله أبي
لماذا حجزتني في مقاس يعجب هواك فقط
كثير مِن البشر يشبهون أبي رحمه الله يخططون مستقبل أولادهم كما يرغبون دون سؤال
و حتى الأجوبة عندهم هي نفّذ
و لا تعترض
تفاصيل تمرّ في رأسي
بعضها يجعلني أتحسّر و بعض أشياء تفرحني
على جميع الأحوال أحياناً أقنع نفسي
أنّني بخير
أعودُ و أبتسم
الكلّ حولي يظنّ
أنّني ساذجة بسيطة
راضية
كون هذا الوقت البخيل لا شيء يُفرح بين ثناياه الباهتة
..
.. هُدى محمد وجيه الجلاّب ..

اترك رد