رابية الأنين …. كريم خلف جبر الغالبي

  • منبر العراق الحر :
    بين حين وآخر تراودني مواقف وذكريات من ماض عتيق عن قريتي التي عاشت وما زالت تعيش في ذاكرتي ، تلك القرية التي اغترب أهلها عندما انحسرت مياهها كانحسار هذا العمر وما هذه الذكريات إلا ظلال شخوص عفى عليها الزمن ، هاجس الحنين ما بين حين وحين ينفض ما تراكم من غبار ، يفتش في حوافها التي أكلها الدهر عن حكاية هنا أو موقف هناك ، مرتسم حدودها في مخيلتي كقضبان سجن مازال ويبقى عصيا على أكبر الفاتحين ، لن يفارقني منها شبر واحد وما عادت خرائط المدن التي أجبتها تمحو ذلك المرتسم ، فمهما عصفت لجج الزمن وتزلزلت من تحتي الارض يعود ذلك النهر الطافح في ذاكرتي ليعيد حياة السواقي وقناطر الوصل على جداول صغيرة تمتد من جديد بدءا من رأسي حتى اخمص قدمي ، تذكرت ذلك الرجل الغريب الذي يتخذ له مكانا على ربوة صغيرة شمال القرية ، بعد أن ينزل عن راحلته يعتدل في جلسته ثم يخرج من جيبه نايا ومن جيب راحلته ربابة ، الفرق كبير بين الناي والربابة ، الناي يداعب الشفاه ليبعث بانفاسها نغما شجيا ، أما الربابة فما تطلقه من انغام يكفي ما عبرت عنه موروثاتنا الشعبية ، النسائم تحمل الحانا شجية تنساب كماء رقراق بين سعفات النخيل واغصان الشجر ، أصوات الطيور التي لاتستطيع قراءة شدوها ، هل هو حنين فراق أم لذة واستمتاع ؟ لكن احاسيس العاشق الولهان لا تحتاج الى ترجمان ، السماء ابتهجت بثوب ازرق شفيف مطرز ببياض غيمات متفرقة تحسبها ثابتة ، ما أن تدور وجهك عنها حتى تراها رحلت الى أماكن أخرى ، اقدام من كان يدير ظهره عنه تتسمر كي تعود ادراجها إليه ، يذهب إليه رجال ونساء وآخرون أطفال ، كان لا يدخل القرية أبدا ، يكتفي برحيل انغامه التي تلامس القلوب فالذاهبون إليه والعائدون منه على مرأى من انظار أهل القرية ، تفسير ذلك واضحا لكني في حينها ولصغر سني لم أتساءل عن السبب ، كنت أرى في نجواه وشجي أنينه رسائلا خفية معنونة الى جهة مجهولة ولا أحد يفك طلاسم نغماته المرموزة إلا من إلتاع قلبه عشقا ، بعد أن يبيع بضاعته وهي عبارة عن أكياس تحوي في داخلها قطع حلوى أو حبات زبيب أو ورق سميك من لحاء جذع بني ، عندما تمضغه يترك ألوانا وردية ملتهبة بأخرى حمراء داكنه تمنح البسمة بريقا والانفاس عبقا هكذا يفعل فعلته في ثغور الفاتنات ثم يذهب الى قرية أخرى يحمل في ربابته رسائل شعر وفي نايه مواويل حزن جنوبية تدعو الى لقاء عابر يردده بصوت يذيب القلوب ويترك في عقول سامعيه ألف سؤال غير مكتوب ، عندما يذهب لا يعود سريعا فمواعيد عودته كمواسم فصل ربيعي يسبقه خريف أسير وهجير فصل مرير ، كنت في وقتها لا أجيد حساب الأيام ولم أعرف علاقتها بالسنين ، عندما عاد في ذلك اليوم وفي ميقات فصله المعلوم وقبيل أن ينزل من راحلته سقط مخضبا بدمه ، أصابته رصاصة ليست طائشه ، صدى تلك الرصاصة الذي شجَّ سماء القرية بنشيج دويها ، أنبأ أهلها بسر ذلك الرجل الذي كان ساعي بريد لفاتنة كان يبث شكواها الى من هامت به في قرية أخرى .

اترك رد