منبر العراق الحر :
حانتْ حِصَّةُ الرَّسمِ، وبدأتْ سَعادتي، فَهِيَ مُتنفَّسٌ جميلٌ
من عبءِ الموادِّ الصَّعبةِ.
حينَ دخلتِ المعلِّمةُ كنتُ بلهفةٍ لأعرفَ علامتي.
كانَ كلُّ شيءٍ على ما يُرامُ حتَّى هذهِ اللحظةِ..
لحظةِ سماعِ علامتي.
ها قدْ وصلَتْ إلى اسمي:
– ماذا، أنا لا أصدِّقُ، هذا ظلمٌ كبيرٌ واللهِ!
– ما بكِ؟
حينَ تجاهلتِ المعلّمةُ ظُلمَها لي، جُنَّ جُنوني، ضربتُ بيدي الألوانَ المصفوفةَ على المقعدِ، فتطايرَتْ كالشَّظايا وسطَ ذهولِ صديقاتي، ورعبِهنَّ ممّا يجري.
ولم يسلمْ دفترُ الرَّسمِ من ثورةِ غضبي، كانَ الجميعُ بانتظارِ ما سأقولهُ، حينَ أشرتُ إلى صديقتي الجالسةِ قربي، واعترفتُ بصوتٍ عالٍ:
لقد طلبْتِ منَّا أن نرسمَ طبقَ قشٍّ، فرسمتُهُ، وكانَ جميلًا، ومُتقَنًا ككلِّ رسوماتِي الَّتي تُعجِبُكِ، ولكن أيَّةُ عدالةٍ أنْ أنالَ سبعةَ عشرَ من عشرينَ فقط، وتزيدَين صديقتي بعلامَتَينِ، وقدْ بكتْ يومَ المُذاكرةِ، ورَجَتْني أن أرسمَ لها، ولم يكنْ قد بقيَ منَ الوقتِ سوى خمسِ دقائقَ!
سادَ صمتٌ مهيبٌ، وعلاماتُ دهشةٍ من جرأتي، وصراحتي، حتَّى أنَّني شعرتُ بأنّ صديقاتي بالكادِ يتنفَّسْنَ، ولا سيَّما حينَ تابعتُ:
– نعم، لقدْ بدَّلنا الورَقتَينِ، ورسمتُ لها بشكلٍ عشوائيٍّ دائرةً، ولوَّنتُها على أنَّها طبقُ قشٍّ، وقلتُ لها:
انتهتِ الحصَّةُ، ليستْ جميلةً، لكنْ على الأقلِّ تأخذينَ بضعةَ علاماتٍ، وهذا أفضلَ منَ الصِّفرِ يا صديقتي!!!
والآنَ، أخبريني يا مُعلِّمَتي، كيف منحتِها تلكَ العلامةَ العاليةَ؟
كانَ الجميعُ ما زالَ مذهولًا، بما فيهم المعلِّمةُ الَّتي كانتْ تضعُ يديها تحتَ الطَّاولةِ، وهي تمسكُ الأوراقَ، وعلى الفورِ شعرْتُ بحركةٍ غريبةٍ تحدثُ، ولاحظَتْ صديقاتي أيضًا ارتباكَها، وهيَ تفعلُ شيئًا ما بالأوراقِ.
بعد ثوانٍ ابتسَمتْ معلِّمتي، وقالت:
– لا، أنا مخطئةٌ، فقد نلتِ تسعةَ عشرَ أيضًا!
نعم، عدَّلَتْ علامتي، ولكنْ بقيَتْ علامةُ صديقتي، ابنةِ مديرِ المدرسةِ كما هيَ!
جمدْتُ في مكاني، محالٌ أنْ أطلبَ منها إنقاصَ علامةِ صديقتي، فأنا أستحقُ ما حلَّ بي، ومعلِّمتي بلا ضميرٍ، فأيُّ كلامٍ يُمكِنُ أن يُقالَ، بعدَ هذا الظُّلمِ الكبيرِ؟
من يومِها احتقرتُ تلكَ المعلِّمةَ، ككثيرٍ ممَّن درَّسوني، وانتقصوا علاماتي، هؤلاءِ غيرُ جديرينَ حتَّى أن نقفَ لهم، ولذلكَ كنتُ أظلُّ جالسةً حينَ تدخلُ معلِّمتي الصَّفَّ، ولمْ تكنْ تجرؤُ أنْ توبِّخَني، بل أكثرُ من ذلكَ، لم أعدُ أرسمُ في حصَّتِها، صرتُ أكتبُ شعرًا، وأسرحُ في عوالمي الجميلةِ، رأتني عِدَّةَ مَرَّاتٍ، أكتبُ كلماتِ حُبٍّ، كانت تمتعضُ، تتنهَّدُ بِغَيظٍ، ثمَّ تنقلِعُ من أمامي ذليلةً.
أمَّا أنا، فقدْ واساني أبي، حينَ حكَيتُ لهُ، لذلكَ لنْ أحزنَ، فقد أخبرني بأنَّ اللهُ سيأخذُ لي حَقِّي مِنها، ومِن كلِّ أستاذٍ ظلَمنِي. هؤلاءِ الَّذينَ ظلموني، سقطوا من عيني، محالٌ أنْ أسامِحَهم، فقدْ باعوا ضمائرَهم، ومن يفعلُ ذلكَ، لا مجالَ لأنْ يفتحَ
القلبُ لهُ بابَهُ!
آهٍ، لقدْ تعبتُ منَ الكتابةِ اليومَ، يهمُّني الآنَ أنْ أستمتِعَ بهذي الأحرُفِ الَّتي كتبتُها لكَ، أنتَ، أنتَ الشَّيءُ
الجميلُ في هذهِ الحياةِ، حينَ أراكَ سأهمِسُ بشغفٍ:
مُذْ قُلْتُ لَهُ
بِأَنِّيْ أَهْوَىْ الرَّسْمَ
وَهُوَ يُعَلِّمُ خَفْقَهُ
كَيْفَ يُعَلِّقُ قَصَائِدِيْ
لَوْحَاتِ حُبٍّ
عَلَىْ جِدَارِ قَلْبِهِ!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر