متاهة بلا زمن ….كريم خلف الغالبي

منبر العراق الحر :
نظر إلى صورته المعلقة على الحائط ثم عاد ليقف أمام المرآة ، أخذ يحدثها : يالك من بارعة بعرض الملامح أمامنا بدقة متناهية وكبيرة ، ها نحن كل يوم نقف أمامك ولم نشعر بالتغيير أبدا ، أما تري إن الفرق كبيرٌ وكبير جدا فيما بيني وبين صورتي تلك ، كيف تخدعينني كل هذه الأيام والسنين ألا من شيء في هذا الوجود لا يخدع بعضه لبعض ، تبا لك أيتها المغرورة بألوان الفساتين واصطفاف العرسان أمامك ، يقولون انك مستوية ولا عيب فيك سوى انك تظهرين الأبعاد بصورة معكوسة فقط ، فأي استواء هذا وأنا لست أنا ، ليتني استبدلت بك مرآةً محدبةً ، إنها تصَّغرُ الأشياء عسى أن تعيدني إلى ما أنا عليه ، بالأمس انتزعتُ الصورةَ من إطارها ومرَّرتُ قلمَ الرصاصِ على ذقني وشاربي كي يبدين أشدّ سواداً ، أدفع بالأيام إلى أمام كي أبدو اكبر عمرا ، واليوم احدهم يقول لي : احلقهما كي نراك أكثر نظارةً منّا وأقربك إلى الشباب ، وأنتِ أيتها المرآة المستوية ، لا تحركين ساكنا ، ولا تسكنين متحركاً ، لابد لك إن تتقعري حتى ننفرُ منكِ ولا نرى ما تقومين بتشويهه ، انك والمرآة المقعرة سواسيةٌ كلاكما تشوهان الحقيقة .
فعلا لقد تغير كل شيء ، حتى تلك المرآة يوما ما ستتغير لابد إن نمضي إلى مصيرنا المحتوم ذلك الحق الذي قهرنا انه الموت الذي نخشى مواجهته ، كنا نتصوره بعيدا لكنه في الطريق ألينا آت آت ، إننا نسير باتجاهه فما أسرع الملتقى ، من منّا يلاقيه بشجاعة وهو المنتصر دوما ، وما أصعبها على من أسرف فيها ، سينتزع منها كانتزاع السجين من القيود صاغرا ، وما أسهلها على من ليس له فيها نصيبا.
استدار إلى الوراء ولم يلحظ ما تغير في قفاه ، لكن المرآة رأته ولم تخبره ، إننا هكذا دوما لا نرى ما لم تلحظه العيون فكيف بمن لم تبصرهم القلوب ، حاول أن يلجَ من ثقب الباب ، لكنه أدرك ما يتاح للعيون لا يتاح إلى غيرها في عالمنا المكنون ، خرج سارحا به الفكر في متاهات المجهول عسى أن يعثر على ذلك الزمن ، لعلَّه هو المسؤول عما حدث وسيحدث ، لكن سؤالا طارئا أعاده إلى فراشه ، فمكانٌ صغيٌر بعيدٌ عن هذا العالم هو وحده يجعلك أن ترى فيه كل العالم ، أليس العظماء وحدهم انزووا في غارات وكهوف ، فحددوا لنا مسارات الكون وما يدور من تلك الجحور ، حدثينا أيتها القصور ماذا أتيت بالجديد ، فكل ما ملكت إيمانك من جوار وخمار وقمار سترمي بمترفيها في مزابل التأريخ ، من قال أن الأشياء لها علاقة بالزمن؟ وهل الزمن شيء؟ أين انعكاسه؟ ، ماهيته أثره في ذلك الشيء ، انَّه ليس سوى أمر موضوع لشيء نريد أن نحدده ، فتغيير الأشياء ليست مرتبطة بالزمن ، ولكنها مرتبطة بعوامل وتداعيات تحكمها خصائص الشيء نفسه لابد أن تعمى وتبلى يوما ما ثم تفنى .
صحا من غفلته هذه ، واستدعى ابنه الكبير ليركب معه في سيارته ، اخذ ولده يقود السيارة ولم يعرف وجهته ، لكنه يسترشد بإيماءات أبيه التي تأتي متأخرة ، يتوقف لحظيّاً في الاستدارات عندما تأتي إشارة أبيه متأخرة ، انَّه ابنٌ بار ، لا يفكر أن يسأل أباه عما يدور في خلده ، كي لا يفهم منه أبوه عدم الفهم هذا هو نوع آخر من العقوق ، مرَّت السيارة بطرق ملتوية بمحاذاة نهر الفرات ، حيث النخيل الذي يقف كجيوش تؤدي التحية والسلام وسعف النخيل الذي ينحني بتواضع أمام نسيم الشمال ، وأشجار الليمون والرمان والسِّدرِ غير المخضود ، أشجارٌ لم تمشط جدائلها المغبرة وظلٌ محدود غير ممدود يمتد على بسط خضراء وهديل حمام تنوح بصوت مبحوح وعصافير تزقزق بلا هوادة وبلابل تغني بلا فجر، النوارس بلا مناقير ، والقيعان بلا بط ، حقولٌ غيرت مهنتها بعد أن طلب النخيل التقاعد قبل كهولته ، ثم طلب من ابنه أن يستدير ويمشي بمحاذاة نهر صغير متفرع من الفرات ، تمتد على صوبيه قناطر من جذوع النخل ، تتمايل على جانبي ذلك النهر ، شجيرات تلاصق ماء النهر تسمى (الغَرَب) ، توقف عند حافة بستان مجهول بالنسبة لولده ، معلوم جدا عند أبيه ، فقد أحد نصفي نخيله بحرب البسوس والنصف الآخر تعبث فيه ديدان السوس ، جلس على ركبتيه ودموع هاطلة استسقتها صلاةٌ من ذكريات مضت ولن تعود ، انهمرت تغسل خديه على ما فات ، قال لابنه اغرس يدك في تلك التربة وهاتها لأشمّها ، وأنت مثلي أيضا شمّها ، وقم بنا إلى ذلك النهر ، مد يدك فيه واشرب منه ودعني اشرب مثلك ، ثم قال له : سوف يتغير في هذا العالم كل شيء إلا الماء والتراب …!

اترك رد