“الحشاشين”… إسقاط درامي على جماعة “الإخوان”؟

منبر العراق الحر :

 أثار مسلسل “الحشاشين” للمخرج بيتر ميمي سجالًا على أكثر من محور: أصل التسمية، استخدام الفصحى أم العامية، وهل يجسّد وقائع التاريخ أم هو تخييل درامي؟ وما الرسالة وراء عرض تلك الحكاية؟ ولو لم يكن للعمل أية ميزة فيكفي أنّه دفع الجمهور للنقاش والتقصّي في المراجع التاريخية.
 أصل التسمية
هناك التباس كبير حول تسمية “الحشاشين”، ففي المصادر الغربية عُرفت باسم Assassin وتُستعمل للدلالة إلى القتلة المأجورين. ويرجح برنارد لويس في كتابه “الحشاشون: فرقة ثورية في الإسلام” أنّها كلمة عربية أُخذت عن فرقة جبلية في سوريا، لكنه يرفض الاستنتاج بأنّها تعني متعاطي القنّب المخدّر، ويرى أنّها كانت مجرد تعبير دارج للتقليل منهم.
بينما يربطها عثمان الخشت في كتابه “حركة الحشاشين” بالشجاعة، لأنّهم كانوا يعيشون معزولين في قلاع ويخوضون حروبًا شتى، وحين تنتهي المؤن يعتمدون في غذائهم على أكل الحشائش! وبسبب إقبالهم العجيب على الموت ربط مؤرخو الحروب الصليبية ذلك بأنّهم كانوا تحت تأثير الحشيش المخدّر
حسبما يشير محمد سهيل طقوش في كتابه “تاريخ الزنج والقرامطة والحشاشين”.
فيما استخدم وليم أوف ريبروك كلمة Mulhit أي ملحد للإشارة إليهم. وحسب قس ألماني يُدعى بروكاردوس، فقد حذّر ملك فرنسا منهم حين عزم على القيام بحملة صليبية عام 1332 ووصفهم بأنّهم قتلة مأجورون، لكنه لم يربط بينهم وبين مكان معين أو فرقة أو دولة، ولم يعز إليهم أية معتقدات دينية.
ويتحفظ فرهاد دفتري بشدّة في كتابه “خرافات الحشاشين” على التسمية، ويردّها إلى “خرافة سوداء” ابتدعها المستشرقون ومؤرخو الحملات الصليبية، وتبنّاها المؤرخون السنّة المناوئون للطائفة، بغرض الحط من شأنهم، برغم أنّ الفدائيين لم يكونوا مخدّرين بل يتمتعون بدرجة عالية من الفطنة ورجاحة العقل.
يشير استهلال الحلقة الأولى إلى أنّ “الدين نبع صافٍ”، لكن الخلاف وقع بعد عهد النبي والخلافة الراشدة، وهذه مغالطة فكرية وتاريخية، حيث أشار لويس إلى أنّ الحركات الغاضبة ظهرت منذ وفاة النبي وتسببت في مقتل ثلاثة من خلفائه الراشدين، ومنها “جماعة الخناقين” في العراق التي كانت تقتل بالحبال، و”القرامطة”، و”الحركة الفاطمية”، و”جماعة أبي منصور العجلي” في القرن الثامن الميلادي في الكوفة، وكان العجلي لا يعتقد في الجنة والنار، وإنما هما مجرّد المسرّات والشقاء في هذا العالم.
أي أنّ حركة حسن الصبّاح كانت بمثابة حلقة مستمرة من حلقات التمرّد على السلطات المركزية، ونالت شهرتها بسبب حُسن تنظيمها ومنعتها في قلعة “الموت”، وما نُسب إليها من اغتيالات لشخصيات ذات مكانة في الدول السُنّية، كالأمراء والوزراء وولاة المدن والقضاة.. حيث اتخذت موقفًا عدائيًا ضدّ الخلافة العباسية والدولة السلجوقية وكلتاهما سنيّتان، وحتى ضدّ الخلافة الفاطمية برغم الانتماء مثلها إلى التيار “الإسماعيلي”. أي أنّها استعدت كل الدول الكبرى المحيطة بها سنّية وشيعية. ما أنتج تسمية “تحقيرية” مشكوك فيها، وعملية إدماج واسعة لأدبيات كثيرة تخصّ فرقًا راديكالية مختلفة، تعود إلى العصور الوسطى. فنحن إزاء تاريخ حافل بالثغرات يدمج حركة الصبّاح، في فرق متمرّدة في أماكن متفرّقة بين بلاد فارس والشام والعراق، استمر نشاطها لمئات السنين.
ربما لهذا السبب وضع المسلسل لنفسه احترازًا أسفل العنوان: “أبطال وأباطيل من وحي التاريخ”. وهي صياغة تتيح التهرّب من الدقّة، وتحرّي الوقائع، وكلمة “أباطيل” تعني الرفض الكليّ لأفكارهم وأساليبهم، وإدانة مباشرة لهم، وهو توجّه رسمي. عكس نظرة لويس الذي وصفهم بأنّهم “فرقة ثورية”. ولا ندري كيف نعتبر دعاة “الأباطيل” أبطالًا؟!
استعارة درامية
تعدّ الدولة الفاطمية أكبر إمبراطورية أسّسها الشيعة الإسماعيلية، لكنها بدأت في الأفول مع الشدّة المستنصرية وهيمنة القادة العسكريين، ثم الانقسام بين ابني المستنصر: نزار الأكبر المستحق للحكم، والمستعلي الأصغر الذي قتل أخاه وأتباعه. ما تسبّب في انقسام الطائفة إلى إسماعيلية نزارية تزعّمها حسن الصبّاح، وطائفة أخرى تدين بالولاء للمستعلي، انتهت اليوم إلى طائفة “البهرة” التي فضّلت التجارة على السياسة.
وقد تتبّع فرهاد دفتري تاريخ “النزارية” وكيف استمرت بين مدّ وجزر. فمثلًا حسن الثالث (1210 ـ 1221) اعتنق الإسلام السنّي وتبعه النزاريون، ثم فقدت الطائفة سلطانها على يد التتار الذين دمّروا مكتباتهم، مع ذلك استمرت الحركة إلى أن هاجر إمامها السادس والأربعون حسن علي شاه (1817 ـ 1881) فارس واستقرّ في الهند وحمل لقب “أغاخان”، لتتحوّل النزارية إلى جماعة شيعية تقدّمية مزدهرة ينتمي إليها بضعة ملايين.
فهل يسعى المسلسل إلى سرد تاريخها وما تعرّض له نزار من ظلم بأخذ الخلافة منه وقتله؟ هل نحن إزاء تتبع مراحلها الفكرية من شيعة عشرية إلى إسماعيلية ثم نزارية ثم سنّية وصولًا إلى مرحلة الأغاخانية؟
لا يطمح المسلسل إلى التعريف بها ولا تقديم مسرد تاريخي لظلمها ومظالمها، ففي ضوء الحلقات الأولى لا تُخفى الاستعارة الدرامية الرامية إلى تشبيه “الإخوان” ضمناً بتلك الحركة، لجهة الولاء المطلق لشيخ الجبل/ المرشد، وبالمصادفة يشترك مؤسس الحركة مع مؤسس “الإخوان” في الاسم “حسن”، وتقديسهم المبالغ فيه كأنّه نبي يوحى إليه، ووعده لهم بالجنة والحور العين، واللجوء إلى العنف والاغتيال السياسي، وعادةً كان يتمّ ذلك بخنجر، وليس بالسهم مثلًا، ما يعني الالتحام المباشر مع الضحية، ويصبح من العار هروب القاتل، طالما أدّى مهمّته “المقدّسة”.
إضافة إلى العمل بمبدأ التقية والتخفي وعدم إعلان هويتهم، وسعيهم لتقويض الحكومات القائمة، واستمالة الفقراء والريفيين والحرفيين والرعاع، وشحنهم ضدّ السلطة.
فكل ما يُقال في المسلسل عن “الحشاشين” كجماعة سرّية، ينطبق على “الإخوان”، ويحذّر ضمنًا منهم. برغم أنّ عقيدة “الإخوان” تختلف جذريًا عن تلك الفرقة الباطنية، وتنتمي إلى الأشعرية الأزهرية ضمن مظلة “أهل السنّة والجماعة”.
وهذا جانب مهمّ من الجدل حول المسلسل يتعلق بالإسقاط على “الإخوان”، إضافة إلى أنّه قدّم صورة مغايرة عن المعتاد في الدراما الإسلامية، حيث تقديم الماضي بوصفه عصرًا ذهبيًا.
مأزق اللغة والهوية
برغم الاختلاف حول جذور حسن الصبّاح ما بين العراق واليمن، لكنه ولد في قم ونشأت حركته ذات تكوين فارسي شيعي، وقد ذاع نفوذها شمال إيران وسط قبائل الديلم، بينما معظم إيران آنذاك كان تحت نفوذ دولة السلاجقة السنّية ذات الجذور التركية، وكانت مصر تحت سلطة الدولة الفاطمية الشيعية العربية. أي أنّ المسلسل يجسّد جغرافيا ثقافية متنوعة عرقيًا ولغويًا ومذهبيًا، وإما أن يقدّم كل جماعة بلغتها الخاصة، مثلما أظهر الجنود الفرنسيين يتحدثون بالفرنسية. وإما أن يوحّد الجميع باللسان العربي الفصيح، لترسيخ الهوية العربية في نماذجها المثالية بما فيها اللغة، كنسق ثقافي جامع بينما اللهجات عنصر تشتيت وتفتت.
لكن صنّاع المسلسل راهنوا على العامية المصرية ربما لثلاثة أسباب، أولها: ضعف وقلّة عدد الممثلين الذين يجيدون الأداء بالفصحى… وثانيها: توسيع شريحة المشاهدين خصوصًا بين الجمهور المصري… السبب الثالث: ضمان فهم الرسالة الضمنية من عامة الناس.
الحبكة التاريخية
تستند الحبكة على قصة حسن الصباح (1037 ـ 1124) وتأسيسه لطائفة الإسماعيلية النزارية، مع مدّ خطوط درامية لشخصيات معاصرة له مثل الوزير القوي “نظام الملك” (1018 ـ 1092) والشاعر والفيلسوف عمر الخيام (1048 ـ  1131).
لو دققنا في تواريخ ميلاد نظام الملك (فتحي عبد الوهاب) وحسن الصباح (كريم عبد العزيز) وعمر الخيام (نيقولا معوض)، سنجد أنّ الوزير أكبر من حسن بنحو عشرين عامًا، ومن الخيام بثلاثين عامًا، إضافة إلى أنّ حسن تعلّم في “الري” والخيام في “نيسابور”!
وهو ما يتنافى مع الحلقة الأولى عن تعاهد الأصدقاء الثلاثة وهم أطفال. فهذا محض خيال تلفزيوني استند فيه السيناريست عبد الرحيم كمال على رواية غير منطقية روّجها فيتزجرالد مترجم رباعيات الخيام، ودحضها لويس برنارد وغيره.
مع ذلك أصرّ السيناريست على استثمارها في الحبكة، ويبدو أنّه مولع بلعبة الأشقاء أو الأصدقاء الثلاثة الذين تختلف بهم المصائر، حيث استعملها في أكثر من مسلسل.
إذا تناولنا الحلقة الخامسة وهي بعنوان “الشدّة المستنصرية” وشملت رحلة حسن إلى مصر في عهد المستنصر (1029 ـ 1094)، فقد بدا الخليفة عجوزًا ولديه ولدان كبيران برغم أنّه لا يكبر حسن سوى بسنوات معدودة.
وقد حدث تنافر بين حسن والوزير بدر الجمالي (1015 ـ 1094) والمرجح أنّه لم يلتق الخليفة لأنّ الجمالي نفاه إلى دمياط ثم أجبره على مغادرة مصر. وكل ما قيل عن تلاعب الجمالي بوصية المستنصر لتعيين المستعلي بدلًا من أخيه نزار، يدخل في إطار الخيال التلفزيوني، لأنّ الجمالي نفسه توفي قبل المستنصر بشهور، ومن اختار المستعلي كان الوزير الأفضل شاهنشاه، ولم يكن الصبّاح في مصر أساسًا حين وقعت الفتنة بين الأخوين، كما انّ الشدّة المستنصرية نفسها كانت بين عامي (1065 ـ 1071) وانتهت قبل زيارة الصبّاح لمصر ببضع سنوات، أي أنّ الزيارة التي لم تُبرر دراميًا جيدًا في المسلسل، كانت بعد الشدّة، وقبل صراع الأخوين، بينما الحلقة خلطت بلا ضابط ولا رابط في نصف ساعة، أحداث ثلاثين عامًا.
خيال شعبي
نحن أقرب إلى خيال شعبي متلفز عن إحدى القصص الملغزة في التاريخ الإسلامي. وهذا يبرّر اللجوء إلى العامية القريبة من الناس. كما تميّز المسلسل بالقطع السريع للمشاهد، والحوار القصير، والصور البصرية للمعارك والانتقال بين المدن. وكلها عناصر جذب مسليةـ بمعزل عن المصداقية التاريخية ـ قلّما تتميز بها تلك النوعية من الأعمال.
لكن كثرة الخطوط الدرامية، والانتقال بين الممالك، خلقا حالة تشوش وعدم فهم ما يجري على الشاشة، ما لم يتسلّح المتفرج بالإطلاع على تلك الحقبة وصراعاتها. فمثلًا ذهاب حسن إلى مصر يبدو غير مبرّر بما يكفي، ومعارك نزار والمستعلي اختُزلت في مشهد ساذج بصريًا برغم أنّها استمرت شهورًا بمشاركة الآلاف. لكن يبدو أنّ صنّاع المسلسل رغبوا في قول أشياء كثيرة جدًا في أقل عدد من المشاهد، لذلك لجأوا إلى شرح وتلخيص الحلقات، وهذا معيب، لأنّ الدراما لا تحتاج إلى شرح!
كما يعيب المسلسل تفاوت أداء الممثلين، فعلى الرغم من اجتهاد كريم عبد العزيز  لا نشعر أنّه يورطنا في عمق الشخصية، فهو يتحرّك ببطء وثقة، بما لا يتناسب مع شخص عاش مُراقبًا ومُطاردًا لسنوات طويلة قبل أن يعتكف في قلعته، إضافة إلى التلميح لصلته بالسحر والجن والشعوذة، وقيامه بخوارق مثل تحويل دفّة السفينة وشفاء أم الخليفة المقعدة، كلها تفاصيل مربكة في رسم الشخصية والتعبير عن حقيقتها ومأزقها الدرامي، كشاب طالب حكمة تنقّل بين أكثر من مذهب، وقائد طموح.
كذلك أداء نيقولا معوض لشخصية عمر الخيام بدا فاتراً، وبعض التعبيرات الحوارية أقرب إلى عصرنا ولا تعبّر عن روح الناس قبل ألف عام، وجاء الانشغال بتمرير المعلومة أكثر من درامية المواقف، وخلق توتر بين الشخصيات.
على سبيل المثل يواجه الحاكم الغاضب الشاعر عمر الخيام لأنّه غازل جاريته، لكن لا يبدو الحاكم غاضبًا بشدّة ولا عمر الخيام خائفًا، كأنّ كل القصد أن يمرّر كلاهما كلامًا للآخر.
بالعودة إلى برنارد لويس وكلامه عن جماعات الغضب، فمنذ وفاة النبي لم يخل العالم العربي والإسلامي على مرّ عصوره من تلك الجماعات بوصفها معضلة “سياسية”، تتعلق بشكل الحكم وعدالته بين مختلف العرقيات والمذاهب والأديان، ما خلق دومًا صراعًا أيديولوجيًا حادًا ـ دمويًا في أحيانٍ كثيرة ـ وظفت فيه كل الأدوات بما فيها النصوص الدينية وتأويلها وقرابة النبي ورجال الدين وطموح القادة العسكريين، إما لتدعيم سلطة قائمة أو تقويضها.
وبعيدًا من الوقائع التاريخية والدينية والسياسية، كان غموض “الحشاشين” وانعزالهم في القلاع النائية مثيرًا لخيال الشعراء والروائيين والأفلام والمسلسلات وألعاب الفيديو.
وذات يوم كتب أحد المحبين لحبيبته “أنا حشاشك الذي يتمنى أن يحظى بفردوسك عن طريق تنفيذ أوامرك”!
المصدر: القاهرة- النهار العربي
شريف صالح

اترك رد