منبر العراق الحر :
ان تلك الدولة التي بدأت بعد تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن ابي سفيان عن الخلافة لحقن دماء المسلمين والتي بدأت بولادتها عصر المؤامرات السياسية والاضطراب الاجتماعي وخلل اقتصادي والاستهانة بمقدسات المسلمين وتجلى اول الفساد بحكمهم المتوارث بعد ان كان شورى ، وتبديد اموال الدولة على هوى حكامها . في هذا العصر شهد قتل الحسين وصلب ابن الزبير وضربت الكعبة بالمنجنيق وانتهاك حرمة المدينة وظلم الموالين لآل بيت رسول الله . هذا كله شكل في وعيّ الكثيرين صورة عن عصر قاتم . اما الانجازات الكبرى التي حُققت بتلك الحقبة شُكلت حولها لغط كبير وغبش وجدال . ولكن وبالرغم من كل هذا اللغط حولها بات المسلمون جميعا يستذكرون مأساة اهل بيت نبيهم كلما حلت بهم ذكرى عاشوراء .
في حين مازلت هناك اصوات تغرد خارج السرب وتتهم الفريقين !، فأتهمت الموالين للأمام بالخذلان ! في نصرته واتهام الفريق الاخر بانهم اسلاف من قتل الحسين !
لن نضع دم الحسين على رؤوس أُناس لم يعاصروا تلك الحقبة . ولكن مع هذا حدث بعض الشقاق بين الفريقين . لو نتحدث قليلا وبشكل موجز عن الفريق الاول الذي اتهم بخذلان الحسين اي الموالين حينها ، لعرفنا ان بني أمية حين شعرت بالخطر القادم اليها من المدينة لدك اركان دولتهم المتمثل بشخص الحسين ، قامت بمحاصرة الموالين له ومحاصرة زعاماتها وفرض طوق امني بين الكوفة والبصرة وتهديد الناس بالموت واضافة عنصر الخديعة بعدم قتل أمامهم ! ” بل سنرجعه من حيث أتى فقط ” .
كلنا نعلم ان الشعوب تمتلك المبادرة الأولى في التغيير وهذا لا يمكن تفضيله على ارض الواقع دون الأدوات المتمثلة بالمال والسلاح ، فالمال يمثل الطبقة الغنية في المجتمع والتي ستنتج عنها سلطة تحمي مصالحها ، والسلطة ستحتاج الى السلاح وعلى شكل منظومات أمنية ، وهنا سينتج ايضا طبقة من الشعوب المغلوبة على امرها والتي لا تستطيع مواجهة الموت بصدور عارية ، لذلك نجد ان الدكتاتوريات في جميع العصور لا يمكن اسقاطها إلا بأنقلاب في حلقتها الداخلية( كما يحدث الان ) ..
او بمساعدة قوة خارجية لتسقط وعندها ستسقط فئة منهم لتعلو فئة اخرى ، ويبقى المستفيد الوحيد هي الطبقة الغنية المفسدة وتبقى بعدها الشعوب هي الحلقة المستضعفة من هذا الصراع السلطوي .
فخروج الحسين كان على هذه الطبقة المفسدة وهنا جاء دور تلك السلطة الحاكمة في قلب موازين الحدث . ولكن حين شعرت الناس بتلك الخديعة خرجوا بشكل عفوي راكضين لنصرة امامهم وتلك كانت اول شٓعيرة للموالين في حب الحسين .
لذلك وبالرغم من كل هذا التهديد والوعيد خرجت تلك الجموع بمعنى ان الناس لم تكن حينها متخاذلة كما ادعى البعض . وهناك ادلة اكبر على انهم لم يكونوا بهذا الصورة .. هي تلك التداعيات الكبرى التي حدثت بعد مقتل الحسين ، وأجز البعض منها وعلى شكل نقاط كالتالي :
1-ثورة اهل المدينة وخلع يزيد بن معاوية في نفس السنة التي قتل فيها الحسين
2- ثورة التوابين وهولاء هم الذين رفعوا شعار ( يال ثارات الحسين ) وقائدهم كان سليمان بن صرد الخزاعي
3- ثورة المختار الثقفي في الكوفة والذي قام بقتل قتلة الحسين وسيطر على العراق لمدة عامين
4- ثورة زيد بن علي أبن الامام السجاد ضد هشام بن عبد الملك
5- ثورة مطرف بن المغيرة والذي اعلن خلع عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف
6- حركات كثيرة اخرى كثورات العلويين
ومن هنا كنت اريد القول ان تلك الاصوات التي مازالت تصر على ان الموالين للحسين قد خذلوه فهم في باطل .
لو نأتي على الفئة الثانية والتي حملت وزر مقتل الحسين من اسلافهم حين حسبوا عليهم . لوعدنا للتأريخ كما فعلت مع الفئة الموالية سنجد ان الحقبة التي تلت مقتل الحسين وتداعياتها في البيت الأموي كانت ايضا كبيرة ، فنجد تلك الصرخة للحق ضد الباطل والتي تمثلت بمعاوية بن يزيد بن معاوية والذي استلم الحكم بعد ابيه ، فلم يدم حكمه سوى شهرين وغدر من نفس العائلة الحاكمة وهو في مقتبل عمره فقد كان شابا في العشرينيات من عمره ، وكان يلقب بأبي ليلى وهذه الكُنية كانت تنسب للمستضعفين من العرب لانه كان رافضا للظلم وحكم التوريث . لذلك تم اعتباره خارج عن الملة ولم يكبر له حتى عند مماته ولم يولي هو احدا في استخلافه وقال قولته المشهورة وهو ينازع الموت ( والله ماذُقتِ حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزَرها، وتتعجلون انتم حلاوتها وأتعجل مرارتها ، اللهم اني بريء منها متخل عنها . اللهم إني لا اجد نفرا كأهل الشورى فأجعلوها اليهم ينصوبون لها من يرونه اهلها ) .
وحين كبر عليه بعد موته الوليد بن عتبه بن ابي سفيان الذي ولوه الامر بعده اعتبره عاصيا فقتلوه طعنا اثناء التكبير على جنازة معاوية بن يزيد ، وتمت مبايعة عثمان بن عتبة بن ابي سفيان فقال لهم حينها ( انا لا احارب الموالين ولا اباشر قتالهم ) فأبو عليه ذلك والتحق بعدها بجيش ابن الزبير .
وحين حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز لمدة لا تتجاوز السنتين واربعة اشهر ، قام بالغاء مرسوم معاوية بلعنة علي ابن ابي طالب في صلاة الجمعة واعاده لبني هاشم ( الخُمس ) وكذلك بساتين ( فدك ) الى اولاد فاطمة بنت رسول الله . والامثلة كثيرة على انقلاب البيت الأموي ضد الظلم بعد مقتل الحسين .
ومن هذا كله لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تُتهم تلك الفئتين ، بين الخذلان بعدم نصرة الحسين بعد مبايعتهم اياه ، او بين تلك الفئة التي حملت وزر مقتل الحسين لحد الأن . أن ثورة الحسين استطاعت ان تحقق اهدافها عبر تأريخها . ويبقى العراقيون من الشعوب التي تمتاز بالفطنة واتقاد الذهن بالرغم من هذا اللغط حولهم باعتبارهم كثيروا الجدل والانتقاد لمن يحكمهم او حتى هذا الجدل فيما بينهم ، فلم يكونوا يوما طائعين او منصاعين على باطل ، والغدر ليس من صفاتهم عبر تأريخهم وبكل طوائفهم ومذاهبهم ، فقد كانوا ومازالوا رؤوسا يتصف كل رأس منهم بالزعامة .
منى الصرّاف / العراق
منبر العراق الحر منبر العراق الحر