شهيد المحراب: شعلة النضال والإيمان التي لا تنطفئ…. ناجي الغزي

منبر العراق الحر :
في ذكرى استشهاد القائد الفذ الذي نال كرامة الله بالشهادة، نستذكر شهيد المحراب المرجع الفقيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم، أحد أركان مدرسة أهل البيت (ع)، وقائداً لم تفت في عزيمته الصعاب ولم تقف أمامه التحديات.
لم يكن شهيد المحراب مجرد شخصية عابرة في تاريخ العراق والإسلام، بل كان شعلة من نورٍ ووعيٍ وعلمٍ وإيمانٍ، يمزج بين البصيرة الثاقبة والحركة الدؤوبة التي لا تعرف الكلل. إنه شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم رضوان الله عليه، الذي حمل على عاتقه أمانة الثورة العراقية بكل تحدياتها، ليكمل مسيرة النضال التي بدأها الإمام السيد محسن الحكيم وفجرها الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، رضوان الله عليهما.
لقد عاش السيد الحكيم في مرحلة من أصعب مراحل التاريخ العراقي المعاصر، حيث كانت الظروف السياسية والاجتماعية تكاد تخنق كل بارقة أمل، وحيث تحالفت الأعداء الداخلية والخارجية لإجهاض أي حركة تسعى إلى رفع راية الحق والعدل. كان العمل الثوري الذي خاضه الحكيم محفوفاً بالمخاطر والمؤامرات، يتطلب وعياً عميقاً وقدرة هائلة على مواجهة المواقف المعقدة بذكاء وصبر لا مثيل لهما.
كان الشهيد الحكيم يتعامل مع تحديات ساحة المعارضة العراقية، ويواجه بمسؤولية وحكمة الصراعات الداخلية والنزاعات التي كانت تهدد وحدة الصفوف وتبعثر الجهود. لقد استطاع الحكيم، بإيمانه الراسخ وإرادته الفولاذية، أن يجمع القلوب المبعثرة ويوحد الرؤى المتباينة، مدركاً أن النجاح في العمل الثوري لا يتوقف على قوة السلاح وحدها، بل على قوة الكلمة، ونقاء الهدف، وسعة الصدر في احتواء الجميع.
السيد الحكيم الذي يحمل ثقل المرجعية وإرثها العريق، كان يعلم أن القيادة ليست مجرد منصب أو لقب، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب حكمة نادرة، وبعد نظر، وقدرة على استيعاب الآخرين، حتى في أجواء ملبدة بالمماحكات وسوء الفهم وقصر النظر من البعض. لقد رأى الحكيم في كل تحد فرصة لإظهار قيم الإسلام الحقيقية من تسامح، وصبر، وإصرار على المبادئ، وكان مثالاً للزعيم الذي يتجاوز الصغائر ويتسامى فوق الأحقاد، مفضلاً المصلحة العامة على كل اعتبار شخصي.
لقد تربى الحكيم في كنف مرجعية والده الإمام السيد محسن الحكيم، ونهل من علمه وحكمته، مستلهماً روح المقاومة والعزيمة. ومن خلال موقعه في الحوزة العلمية، استطاع أن يضطلع بأدوار قيادية مهمة في صياغة وتوجيه مسار الحركة الإسلامية المقاومة. كان دائماً في مركز الأحداث، قلبه مفتوح لكل من يطلب النصح والمشورة، وعقله مشغول بمسؤولياته الجسام التي حملها بإيمان وإخلاص.
السيد الحكيم لم يكن مجرد عالم دين، بل كان قلباً ينبض بحب العراق وأهله، وشخصية قيادية ذات أفق واسع، يجمع بين المرجعية الدينية والحركة الثورية، مسلحاً برؤية واضحة لمستقبل بلاده. ورغم كثرة المسؤوليات وتنوعها، استطاع أن يديرها بجدارة، موظفاً كل إمكانياته لخدمة الناس وتوجيه الجهود نحو الأهداف الكبرى.
كان الشهيد الحكيم يعيش في قلب مجتمع يعاني من الفتن والاضطرابات، لكنه لم ينشغل بالرد على الصغائر، بل ركز على الهدف الأسمى: تحرير العراق من الطغاة وبناء مجتمع قائم على العدل والحرية والكرامة. لقد كان يدرك أن الطريق طويل وصعب، لكن إيمانه بالله وبعدالة قضيته كانا مصدر قوته وثباته.
لقد كان الشهيد الحكيم قامة تتجاوز الزمان والمكان، يطل علينا بذكراه في كل مرة نحتاج فيها إلى نور يضيء دروبنا، إلى نموذج يعلمنا كيف نثبت على الحق مهما كانت التحديات. نتذكره اليوم ليس كرمز مضى، بل كقائد حي في قلوبنا، يلهمنا الصبر والعزيمة، ويذكرنا بأن العمل من أجل الحق لا ينقطع بغياب الأشخاص، بل يستمر بفضل من يحملون شعلة النور التي أضاءها أولئك القادة العظام.
وفي مثل هذا اليوم في 29 أغسطس 2003، اغتيل السيد محمد باقر الحكيم بتفجير إرهابي استهدفه أثناء خروجه من مرقد الإمام علي في النجف. كانت شهادته صدمة كبيرة للعراق والعالم الإسلامي، ولكن ذكراه ظلت حية في قلوب محبيه وأنصاره، ورمزا للشجاعة والتضحية في سبيل الحق.
شهيد المحراب هو رمز للنضال المستمر من أجل العدالة والحرية، وشعلة لا تنطفئ تلهم الأجيال المقبلة للسير على درب الحق والإيمان
رحم الله شهيد المحراب وسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً، وليكن ذكراه دافعاً لنا لنواصل المسير على درب النضال، متمسكين بالقيم التي عاش من أجلها وضحى في سبيلها، قيم الحق، والحرية، والكرامة الإنسانية.

 

كاتب سياسي

اترك رد