منبر العراق الحر :
تعرّف أهلُ الناصرية في السبعينات على وجوه المئات من الخبراء والعمال الروس، الذين كانوا يشيدونَ محطة كهرباء الناصرية قبل تشغيلها ، وكنّا نقترب منهم دائماً ونسألهم بحماسنا اليساري عن موسكو ورفاة لينين، والساحة الحمراء، وروايات غوركي، ولكنهم لم يردوا سوى بالابتسامة، ويبدو أنهم نصحوهم أن يبتسموا فقط.
لكني تعرّفت عليهم أكثر حين كانوا يأتون إلى سوق الصابئة ( الصياغ ) ليشتروا السلاسل ومداليات الذهب الإيطالي ، حيث يندر وجوده في الاتحاد السوفيتي ، وكنتُ قد تعرّفت أثناء تردّدي على محل أحد الأصدقاء المندائيين على عائلة المهندس فكتور جوفيسكي وزوجته راقصة الباليه السابقة في فرقة البولشوي الروسية ( ناتالي جوفيسكي ) وقد رافقت زوجها إلى هنا بعد أن توقفت عن العمل أثناء التواء كاحلها في التدريب .
تعرّف الزوجان على صائغ مندائي واقترحا عليه القيام في نزهة إلى أهوار الجبايش .
وحين وصلوا هناك سُحِر جوفيسكي وزوجته بجمال المكان، وتفاجآ بقرى القصب، وبيئة الماء وأسراب الطيور، وحين ركبوا الزوارق ضحكا كثيراً وسعدا بأنهما يركبان في زوارق كان قوم نوح يصنعون مثلها .
تمتعت ناتالي بهذه الطبيعة الفريدة، وتمنتْ أن يجيء مدير فرقتها ليستوحي رقصات باليه الفرقة في موسمها الجديد من مشي نساء المعدان وهن يحملن عشرة أوانٍ على رؤوسهن دون أن تهوي على الأرض ، وقد كان الصوت عذباً في غناء الصيادين وهم يدفعون قواربهم مع إيقاع منتظم لحركة الموج، وازدادت سعادتها حين مرّت خمس بجعات فوق غابة القصب فصاحت : آه جايكوفسكي هنا في مدن الآلهة السومرية ، سأجعل من ضفاف هذا الشاطئ مسرحاً، وسأؤدي لكم رقصة من رقصات باليه بحيرة البجع.
كان المنظر مذهلاً عندما رفعتْ ناتاليا تنورتها، وراحت تؤدي رقصات جميلة أثناء طيران البجع فوق مياه الأهوار الخضراء، فيما كان رعاة الجواميس من المعدان ينظرون إليها بدهشةٍ وحبٍّ واعجاب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر