منبر العراق الحر :
يعيدني شهر رمضان الكريم لزمن الطفولة، عوالمها الساحرة وطقوسها الرمضانية التي يجبرنا الأهل على طاعتها، خصوصا في الأيام الأولى لرمضان وصيامه، وهكذا أصبح رمضان موسماً لاستعادة بعض طفولتنا التي غادرناها مبكرين، حتى غدت حكاياتها تومض من بعيد تشبه ضوء الفانوس وسط ضباب في يوم شتائي، ذاكرة تتوارى وينقص رصيدها ضوءاً بعد آخر!
مائدة رمضان تشخص في الذاكرة و”المحلبي” آخر الوجبات التي تفتتح بالشوربة أو التمر “الشويثي”*الذي كان الوالد يفضله من بين تمور الناصرية الشهيرة بمذاقها، لكن حكايتنا تكمن ب”المحلبي” وحلاوته سواء بالنشا أم حين تجهزه أمي بطحين التمن، ورائحة الهيل وماء الورد، وكل يحجز ماعونه من المحلبي، فهذا الماعون الصغير الأبيض على المائدة يشبه الأطفال بين عالم الكبار.
رمضان علمنا أن تلاوة القرآن فيها سبع قراءات، وما بين صوت المقرئ المصري عبد الباسط عبد الصمد وموسيقى أدائه الساحر، إلى رخامة صوت أبو العينين شعيشع إلى المقرئ العراقي الحافظ خليل إسماعيل وصوت الشجن الصادح بمقام الدشت، أصوات ومعاني سماوية دربت أسماعنا على حفظ القرآن والتوغل بمعانيه بجماليات الصوت والمعاني الإلهية، أصوات حفرت عميقا في بنية الوجدان والذائقة المحصنة ضد فساد الأزمنة اللاحقة وموسيقاها الناشزة، وكان رمضان غذاءً للروح، وليس شهية ال”المهلبية” لعالم طفولتنا وحسب.
حكايات تنهض من الذاكرة، محاطة بأسى شفيف عن زمن كان مضاءً بوجه الأم والأب وأخوتنا، أهلنا الطيبون ما لذّ لنا رمضان بعد رحيلهم!
رمضان ليل ُيزرع فينا “جْوع إلى السهرِ” كما يقول الجواهري، ليلاً بحلاوة الزلابية والبقلاوة في الشتاء، والعصائر الباردة في الصيف، وضحك طفولي يزداد وقت الأسحار لكي لا ننام ونحن نستقبل الفجر!
شهقت ترافق كل ذكرى عن زمن لا أحد يدرك معنى أن نقول عنه جميل.
رمضان كريم وأيام طيبة وأمان أرجو لجميع الأهل والأصدقاء، والصائمين في المعمورة.
*التمر الشويثي الأسود والأحمر كان يجهز لنا من بساتين المرحوم حلمي محمود الخطاب في سوق الشيوخ، والآن من حديقة الأخ العزيز الأستاذ عادل عباس طارش أطال الله في عمره.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر