الأستاذة الألمانية والجاموسة الخشبية …..نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

كنا معلمين هناك ، وبعد خبز الطابك وصحون القيمر وأواني اللبن الخاثر كانت الاغاني ورسائل الحب هي غذائنا. والعالم كان يقوم اولا على فطرة الحواس والتطبع والقناعة بما توفره الطبيعة ورحمة السماء . وكما يقول شغاتي موظف الخدمة في مدرستنا : بدون ربك لن تتحول السمكة إلى ” غشيمة ” وتدخل في شبكة معيبد الصياد .والغشيم في العامية هو قليل المعرفة والدراية والذكاء.
وأشعر يوم أستقرت محطاتي عند حدائق المهجر وغربة اوراق دفاتر الذكريات اننا كنا ” غشمة ” حين ارتدينا قبعة الجيش وذهبنا إلى حروبه ، وبسبب ذلك نصفنا مزقت الشظايا جسده أو حمل عوقا جسديا في الحرب التي حين ابتدأت كنا ستة معلمين في المدرسة ومتى انتهت أصبحنا اثنين فقط . انا عدت من فوج مشاة وذكريات ومحطات حرب . وزميلي المعلم “طارق ” عاد من زوارق مسلحة كجندي بحرية في سرية الطوربيدات الأولى.
قال لي ونحن نقوم بتوزيع قرطاسية اول يوم دوام مدرسي لأثني عشر تلميذا في مدرستنا : لنبني طروادة من جديد بعد أن هدمتها جواميس اسبرطة الخشبية بدعوة خُدعنا فيها ، فلم نكن ندافع فيها عن طروادة كوطن ، بل دافعنا عن هيلانة وعشقيها.
بالرغم من أن هذا لم يكن تفسيراً حقيقياً ومنطقياً للحرب .لكن صياغة الفكرة أعجبتي والمصادفة اننا نشترك وبأدمان وبمتعة قراءة قصائد الشاعر الأغريقي الذي عاش كل حياته في اسكندرية مصر واسمه ” قسطنطيين كافافيس ” وسوية حفظنا قصيدته المسماة ” الطرواديون ” والتي كتبها في 1900 والتي تقول :
(( سنقلب جفاء القدرِ وعداءه،
ونقف بعزمٍ، لنخوض النزال.
لكن، كلّما اقتربت ساعة الحسم،
حتى يتلاشى عزمنا وجرأتنا؛
تتهشم أرواحنا، وتخور،
ونفرّ هنا وهنالك حول الجدران،
نبحثُ في الهروب عن نجاة وخلاص))
وأنا أعيد قراءة القصيدة أمامه ضحك طارق وقال :اتمنى أن لا تأتي حرب أخرى ، وإن أتت سنصنع جاموسة من خشب لنخدعها وننتصر عليها .
فكرة الجاموسة الخشبية عادت إلى ذاكرتي يوم عادت أبنتي من مدرستها الثانوية الالمانية وأخبرتني أن استاذة الفن أرادت منها أن تصنع حصانا من الخشب .فردت عليها أبنتي بنباهة واخبرتها بأن اصولها تعود إلى سومر وليس إلى طراودة.
فقلت لها مدرسة الفن : ولكنكم انتم من أبتدأتم حرب الخيول .
ردت أبنتي : اكتشفناها اولا لتكون لسعاة البريد ثم اصبحت واسطة نقل ثم ادخلناها ساحات الحروب ليقاتل عليها أجدادنا بشهامة وليس ليخدعوا بها أعداءهم .
تعجب مدرسة الفن وسألت أبنتي :هل والدك مدرس تأريخ ؟
اجابتها هو يكتب الرواية .
ضحكت وقالت : أذن هو يعرف التأريخ جداً . وعليه فأني أعفيك من الحصان الخشبي ، واصنعي لنا أي حيوان في بلادك ومن الخشب حتى لو كان ثعلبا .
قالت لي أبنتي : اعتقد يا أبي أن ملامح الثعلب خادعة ومن الصعب تحويلها إلى الخشب .
قلت : هي تعرف انك قادمة إلى هذه البلاد من ارض سومرية وربما تعرف أن الجاموس حيوان سومري .
ليومين استغرق معي صناعة جاموسة خشبية ، وبفرح حملتها أبنتي وهي تذهب إلى مدرستها ، ومع فرحها عدت إلى تلك الايام حين ساعدت زميلي المعلم طارق في صناعة جاموسة خشبية وقررنا أن نشارك فيها بإسم مدرستنا في المعرض السنوي الفني لمدارس قضاء الجبايش .
وجميع معلمي المدارس كانوا يستغربون من مدرسة لا تشارك سوى بهذا الحيوان الخشبي.وعندما افتتح قائمقام الجبايش المعرض ومر على جاموستنا الخشبية قال بأستهزاء :هل تنتج جاموستكم هذه القيمر؟
رد زميلي :كلا بل تنتج خديعة حرب .
لم يفهم المغزى وتجاوزنا بسرعة .
أشعر الآن أن هناك فرقا كبيرا بين رد القائمقام ورد استاذة الفن في مدرسة أبنتي الثانوية وهي تنظر إلى الجاموسة الخشبية بدهشة وأبتسامة وهي تقول : أشعر أن هذه الجاموسة الخشبية طيبة ولن تكون خديعة حرب .
قد تكون صورة ‏‏٣‏ أشخاص‏

اترك رد