منبر العراق الحر :
أحب الصيف حباً موازياً للشتاء، لولا جفاف الشجر والذبول السريع للورد في حرارة قيظ عراقي لاهب!
أحب الصيف، يأتي أوله بموسم التكي والمشمش والتين والرقي وحلاوة البرحي، ويودع بالعنب ورائحة الخوخ العراقي!
كل رائحة من تلك الفاكهة تعيد لك ذكريات مع الأهل الراحلين، والأصدقاء الغائبين، كانت أمي تقول؛ “الصيف أبو الفقير” لأن كل شيء يصبح وفيرا ومتيسرا في الصيف!
الآن أصبحت الطبيعة بجميع فصولها ملكاً للأغنياء واللصوص يا أمي.
مذاق الفاكهة لم يعد كما كان في تلك السنوات البعيدة والأحداث المستقرة في ذاكرة الروح، كان للمشمش رائحة، والرگي العراقي كذلك، لماذا تفقد الفاكهة روائحها وطعمها؟
هل فقدت روحها، أم نحن فقدنا حاسة الشم والبحث عن اللذة ليس في الطعم فقط، بل في الرائحة!
الرائحة رابط حيوي بين الإنسان والطبيعة، الرائحة هوية للأماكن، أنا شخصيا أشم عبير العصر العباسي كلما مررت بالقرب من المدرسة المستنصرية المحاذية لنهر دجلة، أو قرب مرقد الشيخ الجنيد البغدادي، عندما أسير في شارع الرشيد وساحة الميدان، أتعثر بعطر معروف الرصافي وأجواء بغداد قبل مئة عام، وفي منطقة “السنك” ما يزال عبق اللبن والجبن والبسطرمة ينث من محلات الأرمن وأبوابها الخشبية ونظافة ملابسهم!
للمدن أيضاً رائحة، وإذ تختلط الروائح والعصور في بغداد، فإن البصرة تغسلك بروائح البحر وطلع النخل والعطور الهندية وبقايا موسيقى من أزمة سابقة، والبصرة حكاية التاريخ والجغرافيا، نينوى تعثر فيها على مواثيق الربيع والهواء النقي، وأربيل تعطر مساءاتها بطعم العسل، والناصرية رائحة الطفولة والأهل والشط، وشذا من كالونيا “أولد سبايس” تخالط رائحة الملابس العتيقة.
أحب الصيف موسماً لقطع تذاكر السفر نحو البلاد الغريبة، والذكريات البعيدة، وبساتين الفاكهة التي لم تزل تحافظ على عطرها القديم ومذاقها الشهي .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر