منبر العراق الحر :
تُعدّ “العباءة” من أكثر الأزياء التقليدية حضورًا في الذاكرة الثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية، وهي ليست مجرد غطاء للجسد، بل تحمل دلالات رمزية تتجاوز وظيفتها الفيزيائية إلى مضامين تتصل بالهوية، والدين، والجندر، والطبقية الاجتماعية.
تدل الشواهد الأثرية والنقوش على أن الشعوب القديمة في وادي الرافدين، وبلاد الشام، وشبه الجزيرة العربية، استخدمت أنواعًا من الملابس الطويلة والفضفاضة تتلاءم مع البيئة الصحراوية القاسية. ويُرجّح أن العباءة بصيغتها الأولى ظهرت كاستجابة مناخية قبل أن تكتسب طابعًا ثقافيًا.
ففي بلاد الرافدين، يظهر الرجال والنساء في المنحوتات السومرية والبابلية وهم يرتدون أردية تغطي كامل الجسد، غالبًا ما كانت مصنوعة من الصوف أو الكتان.
في الجزيرة العربية، كان الرداء والملحفة والدرعة أشكالًا من اللباس الفضفاض، منها تطور ما يُعرف اليوم بـ “العباءة”، وقد كانت هذه الأشكال ذات بعد وظيفي قبل أن تأخذ صبغة ثقافية ودينية. بل حتى في صدر الإسلام، لم تكن “العباءة” بالمعنى المتداول اليوم هي اللباس المعياري، بل وردت تسميات مثل “الدرعة”، و”الملاءة”في بعض الأحاديث، بينما ورد “الجلباب” في قوله تعالى:
“يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن”
(الأحزاب: 59)
وقد فُسّر “الجلباب” بأنه ثوب فضفاض يلبس فوق الثياب.
إن التحول من “اللباس الفضفاض” إلى “العباءة” كان جزءًا من سيرورة اجتماعية وثقافية تراكمية، بدأت من مفهوم الحشمة والتمييز بين الجنسين، ومرت بتفاعلات مع السلطة، والتقوى، والعادات المحلية.
فمع تطور الدولة الإسلامية، وظهور أنظمة السلطة والفتوى، بدأت العباءة تتخذ مكانة معيارية في ضبط “الجسد الأنثوي”، عبر تصورات مرتبطة بالاحتشام والفضيلة، فغدت العباءة ليست مجرد لباس، بل أداة رمزية لمراقبة الجسد وتوجيهه.
في العصر العباسي أصبحت العباءة (أو الملاءة) جزءًا من تمايز الطبقات، فقد كانت النساء في البلاط العباسي، لا سيما الجواري وسيدات القصر، يرتدين عباءات مطرزة، مصنوعة من الحرير أو الكتان الفاخر، وقد تكون ملوّنة داخل البيوت، بينما تُفرض العباءة السوداء في الفضاء العام كعلامة على الحشمة والالتزام.
أما اللون الأسود للعباءة فقد ارتبط بالدولة العباسية (الراية السوداء)، وهو ما انعكس حتى على أزياء النساء، تأكيدًا للسلطة والهوية السياسية.
في الحقبة العثمانية، خضعت العباءة لتأثير المركزية الإدارية والعسكرية في إسطنبول. وأصبح هنالك ما يُعرف بـ”عباءة القُصر” و”عباءة العلماء” و”عباءة العامة”. في العراق وبلاد الشام، انتشرت عباءات الصوف الثقيلة للرجال، فيما ظلت النساء يرتدين عباءات سوداء أو داكنة تُسمى “الملاءة اللف”.
أما (العباءة الزينبية) فاترك للقارئ حرية الإستنتاج بناءً على ما تقدم.
عمار عزت
منبر العراق الحر منبر العراق الحر