رهان واشنطن… بين تسوية «رابح-رابح» و تصعيد «رابح-خاسر» …. الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

في الحروب الكبرى لا تتحدد النتائج في ساحات القتال فقط، ولا تتغير الخرائط في الميدان وحده، بل في طبيعة الأنظمة التي تخرج من تحت النار وفي القرارات التي تُتخذ في غرف القيادة. وما يجري اليوم حول إيران لا يبدو مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة اختبار استراتيجي عميقة قد تعيد تعريف النظام الإيراني نفسه.

فالضربات العسكرية التي استهدفت قلب البنية القيادية في طهران، والتصعيد المتسارع في الخليج ومضيق هرمز، والرسائل السياسية التي صدرت من واشنطن خلال الأيام الأخيرة، تشير جميعها إلى أن المعركة لم تعد تدور حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي فحسب، بل حول شكل القيادة التي ستدير إيران في المرحلة المقبلة.

وفي قلب هذه اللحظة التاريخية، تتقاطع ثلاثة مسارات كبرى:

محاولة طهران إعادة إنتاج قيادتها تحت النار،

رهان واشنطن على تسوية ممكنة،

ودفع تل أبيب نحو حسم أبعد قد يصل إلى إعادة تشكيل النظام نفسه.

 

ومن هذا التقاطع يتحدد المسار الذي قد يسلكه الشرق الأوسط في السنوات القادمة.

 

🔲 أولاً: ما بعد الضربة… اختبار النظام لا إسقاطه

في القراءة الاستراتيجية داخل واشنطن، لا تُفهم الضربة العسكرية الأخيرة كفصل ختامي في المواجهة مع طهران، بل كبداية اختبار عميق لقدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج نفسه تحت الضغط.

فالرهان لا يتعلق فقط بتصفية رأس السلطة أو إضعاف الحلقة القيادية الأولى، بل بقدرة الجمهورية الإسلامية على إعادة تشكيل مركز القرار بعد الصدمة.

الفرضية التي يتحرك ضمنها صانع القرار الأميركي – ولا سيما في مقاربة الرئيس دونالد ترامب – تقوم على فكرة دقيقة: أن الضربة قد تفتح نافذة انتقال داخل النظام تسمح بظهور قيادة جديدة أقل التصاقاً بإرث المواجهة الممتدة منذ أربعة عقود.

إذا حدث ذلك، يمكن تحويل الحرب من مواجهة مفتوحة إلى عملية إعادة ضبط استراتيجية للنظام الإيراني.

 

🔲 ثانياً: منطق واشنطن..تعديل السلوك لا إسقاط الدولة

في الحسابات الأميركية الباردة، الهدف المركزي لا يتمثل بالضرورة في إسقاط الدولة الإيرانية، بل في تعديل سلوكها الاستراتيجي.

المعادلة التي تتبلور في هذا السياق تقوم على أربعة أعمدة رئيسية:

ضبط برنامج التخصيب النووي،

تقييد البرنامج الصاروخي بعيد المدى،

تحجيم الشبكات العسكرية الإقليمية،

وضبط السلوك البحري في الخليج ومضيق هرمز.

في المقابل، يمكن أن تتوقف الحرب، ويُفتح مسار تهدئة تدريجي يعيد ترتيب العلاقة مع إيران ضمن توازنات إقليمية جديدة.

إنها معادلة «رابح-رابح» بالمعنى الاستراتيجي:

الولايات المتحدة تحقق أهدافها الأمنية،

وإيران تحافظ على الدولة دون الانزلاق إلى سيناريو الانهيار.

 

🔲 ثالثاً: كلفة الانهيار… لماذا لا ترغب واشنطن بسقوط غير مضبوط للنظام؟

تدرك واشنطن أن انهياراً كاملاً للنظام الإيراني قد لا يكون نصراً صافياً.

فإيران ليست دولة هامشية يمكن احتواء فراغها بسهولة، بل قوة إقليمية كبيرة تمتلك عمقاً جغرافياً وديموغرافياً ومؤسسياً واسعاً.

انهيار غير مضبوط قد يفتح سلسلة ارتدادات إقليمية:

اضطراباً في مضيق هرمز،

اهتزازاً حاداً في أسواق الطاقة العالمية،

وتفككاً أمنياً يمتد من الخليج إلى العراق وآسيا الوسطى.

ولهذا يبقى خيار التسوية – إن أمكن فرضه – أقل كلفة من حرب مفتوحة قد تخرج نتائجها عن السيطرة.

 

🔲 رابعاً: حين يتآكل خيار التسوية

غير أن هذا الرهان الأميركي يبقى مشروطاً بسلوك القيادة الإيرانية الجديدة.

فإذا أعادت المؤسسات الإيرانية إنتاج قيادة متمسكة بالنهج ذاته،

وإذا بقي القرار الاستراتيجي محصوراً داخل البنية الصلبة للحرس الثوري دون أي هامش سياسي،

فإن منطق التسوية سيتآكل بسرعة.

عند تلك النقطة قد تتحول الحرب من أداة ضغط تفاوضي إلى أداة إعادة تشكيل لميزان القوة الإقليمي نفسه.

 

بعبارة أخرى:

إذا فشل تعديل السلوك، قد يصبح تعديل القدرة هو الخيار التالي.

 

🔲 الخامسة: تل أبيب… منطق مختلف للحسم

هنا يظهر التباين داخل المعسكر الغربي نفسه.

فبينما تميل واشنطن إلى تسوية تضبط الصراع دون إسقاط الدولة الإيرانية، تنظر تل أبيب إلى اللحظة الراهنة بوصفها فرصة استراتيجية قد لا تتكرر.

من منظور إسرائيل، المشكلة لا تكمن فقط في سلوك القيادة الإيرانية، بل في طبيعة النظام ذاته:

برنامجه النووي،

منظومته الصاروخية بعيدة المدى،

وشبكة الوكلاء الإقليميين التي تمتد عبر الشرق الأوسط.

ولهذا تميل إسرائيل إلى معادلة مختلفة:

ليس تعديل السلوك، بل إضعاف القدرة البنيوية للنظام حتى لا يبقى تهديداً مستقبلياً.

وهذا الفارق يفسر لماذا تبدو إسرائيل أكثر استعداداً للمضي في مسار «رابح-خاسر»،

حتى لو تطلب ذلك ضغطاً مستمراً على البنية القيادية للنظام الإيراني.

 

🔲 سادساً: حين يدخل الخليج ومضيق هرمز في قلب الصراع

 

مع اتساع نطاق الاشتباك، لم تعد الحرب محصورة بين طهران وواشنطن أو تل أبيب.

 

استهداف المدن الخليجية بالصواريخ والمسيرات،

والتلويح بإغلاق مضيق هرمز،

ودعوة الولايات المتحدة حلفاءها للمشاركة في حماية الملاحة الدولية…

 

كلها مؤشرات على أن الصراع بدأ يلامس عقدة الطاقة العالمية.

 

وعند هذه النقطة يتحول النزاع من مواجهة عسكرية إقليمية إلى أزمة جيوسياسية ذات أثر مباشر على الاقتصاد العالمي.

 

🔲 سابعاً: لحظة تقاطع الإرادات

 

في هذه اللحظة تتقاطع ثلاث إرادات استراتيجية كبرى:

 

طهران التي تحاول إعادة إنتاج قيادتها تحت النار،

واشنطن التي تراهن على تسوية ممكنة،

وتل أبيب التي تدفع نحو أقصى الشوط.

 

ومن هذا التقاطع يتحدد شكل المرحلة المقبلة:

 

إما تسوية تضبط الصراع وتعيد رسم قواعد الاشتباك،

أو تصعيد قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط بأسره.

 

🔲 الخاتمة: لحظة إعادة تعريف النظام

في النهاية، لا تُقاس الحروب الكبرى بعدد الضربات التي تقع في أيامها الأولى، بل بما تتركه من أثر في بنية الأنظمة التي تتعرض لها.

اللحظة التي تعيشها طهران اليوم ليست مجرد مواجهة عسكرية مع واشنطن أو تل أبيب، بل اختبار تاريخي لقدرة الجمهورية الإسلامية على إعادة تعريف نفسها تحت الضغط.

فإذا استطاعت المؤسسات الإيرانية إنتاج قيادة جديدة توازن بين بقاء الدولة وتخفيف منطق الثورة الدائمة، فقد تخرج إيران من هذه الحرب بنظام أكثر براغماتية وأقل اندفاعاً نحو المواجهة.

أما إذا أعادت إنتاج القيادة ذاتها بذهنية الصراع المفتوح، فإن الحرب قد تتحول من محاولة تعديل السلوك إلى مشروع طويل لإعادة تشكيل ميزان القوة في الشرق الأوسط.

 

وهنا تتضح المعادلة الكبرى:

 

الهندسة في طهران

مرتبطة بالرهان في واشنطن

وبالتصعيد في تل أبيب.

 

ومن تقاطع هذه المسارات الثلاثة يتحدد السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة:

 

هل ستكون هذه الحرب بداية تسوية تعيد ضبط الصراع…

أم الشرارة الأولى لمرحلة جديدة يعاد فيها رسم شكل النظام الإيراني وموقعه في المنطقة؟

 

الإجابة لن تُكتب في البيانات العسكرية،

بل في القرار الذي ستتخذه النخبة الجديدة في طهران –

بين بقاء الدولة… واستمرار الثورة

 

اترك رد