منبر العراق الحر :… باحث سياسي واقتصادي…
في خضم السجالات وفرط الامنيات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية، يبرز بين الحين والآخر خطاب إعلامي محدود الفهم، ينادي بتغيير جوهري في معادلة الحكم وموازين القوى، مستنداً في كثير من الأحيان إلى رغبات ذاتية أو تطلعات غير واقعية. ورغم أن الطموح إلى الإصلاح والتغيير أمر مشروع، إلا أن تجاهل طبيعة البنية السياسية العراقية وتوازناتها الدقيقة قد يؤدي إلى تصورات مغلوطة أو تحليلات تفتقر إلى العمق والمصداقية.
منذ عام 2003، تشكلت معادلة الحكم في العراق على أسس طائفية ومحاصصاتية معقدة، جعلت من “البيت الشيعي” أو ما بات يُعرف لاحقاً بـ”الإطار التنسيقي” مركز الثقل في القرار السياسي، خاصة في ما يتعلق برئاسة الحكومة وتشكيل السلطة التنفيذية. هذه المعادلة، ورغم الانتقادات الكثيرة التي طالتها، ظلت تحكم قواعد اللعبة السياسية في البلاد، وتفرض على جميع الأطراف – المحلية والدولية على حد سواء – التعامل معها كأمر واقع لا يمكن القفز عليه بسهولة.
إن بعض الخطابات التي تتداول في وسائل الإعلام أو في أوساط الرأي العام، والتي تروّج لفكرة إمكانية تجاوز هذه البنية السياسية وإحداث تغيير جذري في معادلة الحكم في العراق دون المرور عبر القوى الأساسية المسيطرة، تعكس حالة من الانفصال عن الواقع وتعتمد على أُمنيات أكثر منها قراءات استراتيجية. فالمعادلة السياسية في العراق لا تُبنى فقط على نتائج الانتخابات أو قرارات القضاء، بل تتشكل من شبكة واسعة من التفاهمات والتحالفات والتوازنات السياسية الداخلية والإقليمية، وخصوصاً داخل المكون الشيعي الذي يمتلك مفاتيح أساسية في هندسة السلطة.
ولا يمكن إنكار أن العراق يتعرض لتأثيرات وضغوط دولية وإقليمية تحاول توجيه مسار قراراته، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران أو قوى إقليمية أخرى، إلا أن الكلمة الفصل في التشكيلات الحكومية ومفاصل الدولة تظل بيد القوى السياسية الشيعية ذات النفوذ، التي استطاعت على مدى سنوات أن تُعيد إنتاج نفسها وتُمسك بخيوط اللعبة، رغم كل التحديات والانتقادات.
لذلك، فإن الحديث عن انقلاب سلمي ناعم على المعادلة السياسية الحالية أو استبدالها بقوى جديدة دون توافق مع تلك القوى الممسكة بالقرار هو في الحقيقة نوع من التسطيح والتبسيط أو الأمل غير المدعوم بوقائع. الإصلاح الحقيقي لا يأتي من تجاهل موازين القوى، بل من التفاوض معها ومحاولة الدفع باتجاه مسارات تغيير تدريجي تتواءم مع البنية السياسية والاجتماعية للمجتمع العراقي.
وكثيراً ما تنبثق أغلب الخطابات السياسية المشبعة بالرغبات الرومانسية، والتي تدعو إلى قلب الطاولة أو تجاوز القوى المتحكمة، دون أن تستند إلى أدوات واقعية أو فهم عميق لطبيعة المشهد السياسي المركّب. ومن الضروري جداً التمييز بين الخطاب السياسي القائم على الأمنيات، وذلك القائم على القراءة الواقعية للمعطيات السياسية.
فالتغيير لا يُصنع بالشعارات أو التمنيات، بل بمشروع سياسي وطني مقنع للشارع العراقي، وقادر على اختراق الجدران السميكة للسلطة والنفوذ، وفهم دقيق لطبيعة القوى، وتحالفات مدروسة تستند إلى الممكن لا إلى المستحيل. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى قراءة نقدية هادئة، لا تنزلق إلى التشاؤم أو الانبهار، بل تمسك بخيط التوازن بين الطموح والواقعية، وتطرح أسئلة جوهرية عن إمكانات التحول، وحدود الحراك، وفرص العراق في ظل شرق أوسط يعاد رسم ملامحه من جديد.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر